رسالات السماء كلها هي أجمل دعوة للرحمة، وأبلغ دعوة للحق، وأعظم دعوة للخير، وأعلى دعوة للعدل، وأرقى دعوة للجمال، فهي دعوة إلهية للإنسان لأن يصنع الخير لنفسه ولأخيه الإنسان، ويدرأ الشر عن نفسه وعن أخيه الإنسان أيضاً.
والتاريخ الإنساني كله منذ هبوط سيدنا آدم عليه السلام لعمارة الأرض وحتى قيام الساعة ما هو إلا سجل بشري لأفكار وأقوال وأعمال الإنسان على الأرض من خير لنفسه ولأخيه الإنسان بهدى من الله خالق الإنسان والأكوان، أو من شر ضد نفسه وضد أخيه الإنسان بغواية الشيطان الذي ليس له على عباد الله المؤمنين من سلطان.
وفى حين يثور السجال بين الدعاة الحقيقيين للخير، وبين الأدعياء الزائفين للخير، فإن السجل الإلهي للتاريخ الإنساني عبر العصور والقرون والعقود ومن سنوات وشهور وأيام، هو السجل الناطق بالحق، والفاصل بين الظاهر والباطن، والفيصل بين الخير والشر، والحق والباطل، والعدل والظلم.
وإذ يطل علينا هذا الشهر الكريم وأمامنا في الأمة الإسلامية التي يشكل الوطن العربي قبلتها وقلبها، وهمها وجرحها، ثلاثون يوماً يفترض أن تكون كلها أياماً كريمة لصنع الخير ولدفع الشر عن كل فرد وكل بلد في كل مجال من مجالات الحياة الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية.
ولأنه شهر كله خير بأيامه ولياليه ففي نهاره صيام وفى ليله قيام، وفى أوله رحمة وفى أوسطه مغفرة وفى آخره عتق من النار، فإن الشعوب الإسلامية تتطلع إلى أمرائها وعلمائها وإعلامها وقادة الرأي فيها تنتظر منهم دفع كل ما هو شر، وصنع كل ما هو خير، والانتصار لكل ما هو حق وعدل، وضد كل ما هو ظلم وظلام بالقول والفعل معاً.
نتطلع إلى قول وفعل في اتجاه تحرير الأقصى والقدس وفلسطين وكل أوطان المسلمين من الغزاة المحتلين، وكسر الحصار عن المحاصرين، وإغاثة كل المحرومين، ونصرة كل المظلومين في بلاد المسلمين، وتحريم وتجريم الاقتتال الأهلي والانقسام الوطني والخلاف السياسي والمذهبي في أوطان المسلمين.
وإلى كل قول وفعل في اتجاه فرض السلام الأهلي والوحدة الوطنية والحوار السياسي والمذهبي بهدف أن يحل السلام بدلاً من الاقتتال، والتواصل بالحوار بدلاً من القطيعة، والوحدة بدلاً من الفرقة، والتناصر بدلاً من التناحر، والأمن بدلاً من الخوف، والعمار بدلاً من الدمار.
نتمنى فعلاً حقيقياً في اتجاه مصالحات وطنية عادلة في فلسطين، وفي العراق وفي لبنان والسودان، بل وفي كل مكان يدور فيه النزاع أو ينقطع فيه حبل التواصل والحوار، بين عربي وعربي مسلم ومسيحي، وبين مسلم ومسلم، وبين مسلم وعربي.
نتمنى أن يكون رمضان هو وقفتنا السنوية مع ضمائرنا، ونقوم بمصالحات مع الله ومع أنفسنا وأهلنا، مصالحات إنسانية ولقاءات روحية لا سياسية، وصلوات جامعة لا مفرقة في خير شهر من شهور العام، لمن في توافقهم وتصالحهم كل الخير لأنفسهم ولأوطانهم.
فلا ينبغي أن تمر أيام الرحمة في الثلث الأول من رمضان دون رحمة وتراحم ودون مبادرات ووساطات لمصالحات عربية وإسلامية لتأكيد أننا عرب وأننا مسلمون سواء على مستوى القيادات أو الجماعات أو العائلات أو الأفراد.
نتمنى من قيادات الأمة على جميع المستويات المبادرة في الأيام العشر الأولى من رمضان إلى فتح صفحات جديدة في العلاقات بينهم، وإظهار العفو والتسامح والتصالح في «أيام الرحمة»، وضرب المثل الأعلى لشعوبهم.