مع إعلان المرشح الجمهوري جون ماكين، عن اسم المرشحة التي اختارها لمنصب نائب الرئيس؛ يكون مشهد معركة الرئاسة الأميركية قد اكتمل. فبعد حوالي سنة ونصف السنة من المنافسة الحامية على الفوز بالترشيح الحزبي، رست العملية على تشكيلة جديدة، غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات الأميركية، من مرشحي الحزبين؛ الديمقراطي والجمهوري.

أميركي من أصل إفريقي، يقود السباق إلى البيت الأبيض، باسم الحزب الأول. أبيض عمره 72 سنة، إلى جانب امرأة لمقعد نائب الرئيس؛ ينافسه باسم الحزب الثاني. كله يحدث لأول مرة. انكسرت الممنوعات دفعة واحدة.

سبق وحصلت محاولات في الماضي لتجاوز ما كان بمثابة المحظورات في الترشيح، لكنها باءت بالفشل. لا الأميركي من الأقليات كان بمقدوره الوصول إلى قمة اللائحة، أو حتى إلى الترشيح للمقعد رقم اثنين، ولا المرأة كان لها مكان في القائمة النهائية للسباق، مرة واحدة فقط دخلت في معركة الحزب الديمقراطي كمرشحة لمنصب نائب الرئيس- جيرالدين فيرّارو عام 1984 ـ، من دون أن يحالف الحظ حزبها، يومذاك.

وبذلك تبدو تركيبة المشهد مثيرة، على الأقل لكونها من حيث الشكل صفحة فارقة وتاريخية؛ في دفتر رئاسي دستوري عمره 219 سنة. وربما أيضاً، لأن هذا الانقلاب في الاختيار، يوحي بأن المزاج الانتخابي في أميركا، بات لا يخشى من التغيير. بل يتقبله. لكن هذا المزاج شيء وتوجهات المرشحين وطروحاتهم وسياساتهم المعلنة شيء آخر.

الناخب متقدّم على المرشح. الأول كسر الحواجز وتغلّب على الحساسيات. الثاني بشقيه الديمقراطي والجمهوري، مازال عموماً، عند مقارباته السياسية التقليدية المتوارثة. وبالتحديد في مجال السياسة الخارجية. وبالأخص المتعلق منها بالشرق الأوسط. المرشح الجمهوري، ماكين، يتبنى وإلى حدّ بعيد، خط الرئيس بوش. لاسيما في العراق. التشدّد عنوان سياسته.

الأمني والعسكري لديه، يتقدم على الخيارات الأخرى. بل يكاد يكون الخيار الوحيد. وكذلك، وربما أكثر، هي مواقفه تجاه القضية الفلسطينية؛ وباقي ملفات المنطقة. تعاطيه معها ينطلق من أخذ المصلحة الإسرائيلية بالاعتبار. بل من إعطائها الأولوية.

المرشح الديمقراطي، أوباما، قد يكون أقل تشدّداً في خطابه. لكنه لم يغادر دائرة السياسة المعمول بها. لم يخرج عن خطوطها الرئيسية. يحاول التمايز. لكنه في أحسن أحواله متذبذب. وعد في السابق بالانسحاب من العراق. في خطاب قبول الترشيح، عاد ليتحدث عن «انسحاب مسؤول»! السناتور بايدن الذي اختاره ليكون نائبه، هو صاحب مشروع تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات.

في الشأن الفلسطيني كل ما صدر عنه، بقي في حدود وعد بـ «انخراط بناء» في عملية السلام. تعبير مستهلك ومكرور. وهكذا هي معالجاته الموعودة لباقي القضايا الملتهبة في المنطقة. انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2008 دخلت التاريخ. في الشكل فقط. أما في السياسة الخارجية، فلا شيء يبشر بجديد نوعي وفوارق ملموسة. الموروث متواصل.