انتهت الألعاب الأولمبية في الصين. كان حفل الافتتاح بهياً.. وكذا حفل الاختتام. وقد شغلت هذه الألعاب بينهما العالم كله؛ فمن العالم كله، قدم الرياضيون ألعابهم تسبقهم أحلام الميداليات من ذهب وفضة وبرونز، وأيضا أحلام رفع علم بلدانهم. جميلة كانت مشاهد أولئك الفائزين الذين كانوا يخفّون فور وصولهم «الظافر» إلى نقطة النهاية، لطلب علم بلادهم كي يرفعونه عاليا.
أصول الألعاب الأولمبية تعود، كما هو معروف، إلى اليونان القديمة. وهي مستمرة بنسختها الجديدة منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدا منذ عام 1896. كان البارون الفرنسي بيير دو كوبرتان هو العنصر الفاعل الأساسي وراء مبادرة إحياء الألعاب الأولمبية، وهو القائل آنذاك: «ليس المهم هو الفوز، لكن المهم هو المشاركة». ومنذ 112 سنة كانت المشاركة العربية «نادرة» وكان الفوز «أندر».
إن مجرّد إلقاء نظرة سريعة على تاريخ الألعاب الأولمبية الحديث يسمح بملاحظة أنه باستثناء بعض «المتفرقات» المبعثرة هنا وهناك، الغياب العربي شبه كامل من لوائح الفائزين «الأولمبيين»، ولم يتم تنظيم الألعاب الأولمبية في أي بلد عربي حتى الآن.
هذه المسألة ـ الإشكالية المتعلّقة بالتنظيم، طرحها وزير خارجية فرنسا السابق والأمين العام المساعد الحالي للأمم المتحدة للتمويلات المكرّسة للتجديد، فيليب دوست بلازي، في مقال للرأي نشره في صحيفة «لوفيغارو» الباريسية (20 أغسطس الجاري).
وجاء فيه: «العديد من المدن الأوروبية والأميركية والآسيوية جرى اختيارها لتنظيم الألعاب الأولمبية، لكن هناك مناطق في العالم لم تحظ أبدا بهذه الفرصة، مثل حالة العالم العربي الذي لا يزال أحد المجالات الجغرافية والثقافية المحرومة منها، إلى جانب أميركا اللاتينية وإفريقيا».
تجدر الإشارة هنا إلى أن أميركا اللاتينية شهدت على الأقل، ك«جائزة ترضية»، تنظيم بطولات كأس العالم لكرة القدم، وجمهورية جنوب إفريقيا سوف تقوم بذلك في عام 2010، ولكن ليس العالم العربي. وقد تجدر الإشارة أيضا إلى أنه كانت هناك ترشيحات سابقة لتنظيم الألعاب الأولمبية في الإسكندرية عامي 1916 و1936 والقاهرة عام 2008، لكن لم يتم الأخذ بها. كذلك استبعدت اللجنة الأولمبية الدولية مؤخرا ترشيح الدوحة لتنظيم الألعاب الأولمبية عام 2016.
إذا كانت مسألة تنظيم الألعاب الأولمبية تتعلق بمراكز قرار خارجية، و«متحيّزة» افتراضا، فإن ألعاب بكين طرحت الكثير من الأسئلة حول المشاركة والفوز العربيين فيها. أسئلة كانت في صميم أحاديث و«صمت» الناس وهم يتابعون المسابقات الأولمبية على شاشات تلفزة العالم كله وبما فيها، بل ربما على رأسها، الشاشات العربية.
الأسئلة كلها، ومهما تعددت صيغها، تدور حول مضمون واحد هو: لماذا نحن غائبون إلى هذه الدرجة في مثل هذه التظاهرة العالمية بينما الآخرون حضور؟ فماذا ينقصنا؟! الكل إذن يتحدثون ويتساءلون ويتندّرون، وكل واحد يقدّم تحليله للوضع على طريقته وعلى خلفية قناعاته الجاهزة «المسبقة الصنع».
ومهما تكن الإجابات المقدّمة «غير الشافية» والتي تؤدي غالبا إلى إشارات استفهام جديدة، فإن المرء قد يجد نفسه «ممتنّا» لكون القواعد الأولمبية تفرض على البلد المضيف تنظيم حفل افتتاح تشارك فيه وفود جميع الدول المشاركة، وبالتالي رأى المشاهدون بعض الأعلام العربية ك«دليل» على الانتماء إلى العالم الذي نعيش فيه.
وتكبر الأسئلة أكثر إذا جرت المقارنة مع المسيرة الأولمبية لأمم أخرى، ولنأخذ المثال الصيني «البليغ». نحن في عام 1932، المكان هو لوس أنجلوس، المناسبة هي الألعاب الأولمبية. كانت الصين يومها ممثّلة برياضي واحد وحيد اسمه ليو شانغ شون حمل العلم الصيني في حفل الافتتاح.
وفي قفزة إلى عام 1984 وفي نفس المكان: لوس أنجلوس، وفي نفس المناسبة: الألعاب الأولمبية، حصلت الصين يومذاك على ميداليتها الذهبية الأولمبية الأولى في تاريخها، وحصل الفريق الصيني على 15 ميدالية. ونحن اليوم في عام 2008.
الصين هي التي نظّمت الألعاب الأولمبية، والصين هي صاحبة الفوز «الذهبي» بالمرتبة الأولى أمام الولايات المتحدة الأميركية. بمجرّد إلقاء نظرة على هذه المسيرة الأولمبية الصينية، يمكن أن يتبادر للذهن أن هناك «تلازما» بين الصعود الرياضي للبلاد وبين تعاظم إيقاع النمو الاقتصادي. مثل هذا «التلازم» يطرح من الأسئلة أكثر مما يقدّم من الإجابات بالنسبة للحالة العربية.
ثمّ هناك أمثلة أخرى تسير في «الاتجاه المعاكس». إن النتائج التي حققها رياضيو بعض البلدان لا تتناسب «طردا» مع النمو الاقتصادي لأوطانهم. جامايكا، البلد الفقير في حوض الكاريبي، أثبتت أنها قادرة على تكوين «أبطال» في بعض الرياضات. مراتب الذهب والفضة والبرونز فازت بها ثلاث رياضيات جامايكيات في أحد سباقات الجري.. مما مثّل «سابقة» أولمبية «تاريخية».
وكوبا، المتواضعة اقتصاديا، معروف عنها أنها «مرتع خصب» لرياضة الملاكمة، واستطاع رياضيوها أن يفرضوا أنفسهم ك«مرجعيات» في هذه اللعبة التي وُلدت في انكلترا. في المقابل، لا شك أن البلدان الغنية تستطيع أن تؤمن لرياضييها أفضل المدرّبين الأجانب من أجل تحقيق أفضل النتائج. هكذا اختارت الولايات المتحدة توظيف مدرّبين روس في رياضة المبارزة بالسيف، وأوكلت الصين لمدرّب لتواني ـ من لتوانيا ـ تدريب فريقها لكرة السلّة.
الحالات المشار لها «أعلاه» موجودة كلها في العالم العربي، لكنها «لم تعطِ أُكُلها» أولمبياً. هناك للإنصاف بعض الحالات التي رفعت فيها بعض البلدان «سمعة» الرياضة العربية، مثل المغرب في مجال الجري لمسافات طويلة، وبعض الحالات القليلة الأخرى. وهناك استثناءات نادرة للأسف، مثل حالة غادة شعاع السورية التي فازت بميدالية ذهبية في الألعاب الأولمبية في أتلانتا عام 1996. لكن «سنونوة واحدة لا تصنع الربيع»، كما يقال.
شاهدنا أيضا أثناء ألعاب بكين الأخيرة أسماء رياضيين عرب، وإنما تحت راية بلدان أجنبية يحملون جنسيتها. فهل كان التواجد تحت سماء «غريبة» شرطا لنجاحهم؟! وهل الرياضة في المهاجر البعيدة أفضل من الرياضة في أرض العرب؟! و«عذرا» هل الرياضة وحدها معزولة عن غيرها؟! ثمّ هل البلدان العربية ـ الإسلامية لا تحبّذ ب«طبيعتها» الرياضة؟! أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات.. إن مسافة ألف ميل تبدأ بخطوة، والمهم هو أن تكون إلى الأمام.
كاتب سوري : mohaklouf@yahoo.fr
