انتهت دورة بكين الأولمبية ومعها بدأت دورة حضارية جديدة، كانت كامنة ومطمورة حينا، ثم عبرت عن نفسها باستحياء، لكن ما حدث في مختلف الألعاب انتهى إلى نتيجة لا ينكرها إلا جاهل أو متنطع أو متحيز، وهي أن الصين آتية بقوة، بعد أن عبرت عن نفسها بوضوح وجلاء بل وصخب.

وهذا الأمر جعلني أتذكر بشدة، بل أعيد قراءة ما كتبه المفكر العربي المرموق الدكتور أنور عبد الملك في كتابيه الشهيرين «ريح الشرق» و«تغيير العالم»، والذي استخلص فيه أن الشرق الحضاري، شعوبا ودولا، هو الذي بدأ يتحرك منذ أوائل القرن التاسع عشر في موجة عارمة من ثورات وحروب التحرير الممتزجة أحيانا بالثورات الاجتماعية، بحيث أصبح حامل لواء التحدي الرئيس للنظام العالمي القائم، وكذا صاحب المصلحة الرئيسية في عملية تغيير العالم.

والدورة الحضارية تلك مصحوبة بدورة أفكار جلية. فبعد أن بلغت المدارس الفكرية في أوروبا ذروة المجد، في العلوم الإنسانية بالتوازي مع التقدم الهائل في العلوم الطبيعية، أخذت الحياة الفكرية في «الشرق الحضاري» تتطور بقدر استجابتها للتحدي الثقافي الاستعماري.

فظهرت الأصولية الإسلامية باتجاهها المحافظ، والعصرية الليبرالية التي تضم تيارات عديدة بدءا بالليبرالية المحافظة حتى الماركسية. وبذلك لم يعد بمقدور الغرب أن يدعي امتلاك الأيديولوجية السائدة، بعد قيام الثورة الصينية ونهضة اليابان وصحوة العالم الإسلامي.

لكن احتواء التراث الثقافي الغربي على النزعة العقلانية النقدية للروح العلمية الحديثة، وكذلك احتواءه على المثل التي رفعت الثورات الأوروبية لواءها، سيجعل هناك نقاط اتصال بين الغرب والشرق، ويعد بعلاقة جدلية بين الطرفين. وبينما تراجعت مكانة الدين والفلسفة في المجتمعات الصناعية المتقدمة ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

حدثت حركة الإحياء الديني في العالم الثالث، ونادت بالعودة إلى الجذور التاريخية التكوينية الأصلية، والتحمت بحركات التحرر الوطني، وشهدت الصين حركة مماثلة حين تمكنت باقتدار من المزج بين تراثها وتاريخها الفكري وبين الأيديولوجية الشيوعية، وهي المسألة التي فشل فيها الاتحاد السوفييتي وانهار.

وبالطبع فإن صراع الأيديولوجيتين، الاشتراكية والرأسمالية، لم يعد موجودا الآن، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وخروج دول أوروبا الشرقية من عباءة الشيوعية، لكن الذي تكرس هو هيمنة المركز الواحد، والذي ينشده من يريدون عالما أكثر توازنا وعدلا هو التعددية.

وتبدو الرؤية الأولى ذات طابع استعماري، في نظر عبد الملك، إذ أنه يرى أن «تغيير العالم في نظر دعاة الهيمنة الأميركية لا يكمن في السعي إلى إقامة نظام عالمي أكثر عدلا ومساواة، وأنظمة من الإنتاج وتوزيع المنتجات والمحاصيل، أكثر إنسانية وأكثر حرصا على سعادة الجماهير الواسعة في مختلف القارات».

ويعني تغيير العالم من وجهة النظر هذه إلغاء النظام العالمي غير الواقعي.. الذي يفترض أن مجموعة الدول الوطنية، وهي الوحدات التي تنتظم فيها حياة المجتمعات البشرية، تشكل مجموعة من الوحدات المتساوية من حيث القانون الدولي، أي من حيث الحقوق والواجبات حسب ميثاق الأمم المتحدة.

وبدلا من هيمنة المركز الواحد يتتبع عبد الملك السير نحو تعدد الأقطاب في النظام الدولي، بدءا من خروج يوغسلافيا عن القيادة السوفييتية عام 1948، ثم الصدام بين الصين والاتحاد السوفييتي، ونشوء فكرة تعدد المراكز داخل الحزب الشيوعي الإيطالي، ثم خصوصية الشيوعية في أوروبا الشرقية، وبعدها ظهور حركات التحرر في العالم الثالث التي رفعت شعار التنمية المستقلة في الاقتصاد وعدم الانحياز في السياسة.

وفي الوقت الراهن تظهر بوادر التعددية مستقبلا في ظل نظام هيمنة القطب الواحد، حيث الاتحاد الأوروبي واليابان والصين، كقوى سياسية واقتصادية وعسكرية تتعايش مع الولايات المتحدة، ولا يمكن أن تسبقها في المستقبل المنظور.

ومن أجل عالم أكثر عدلا وتوازنا لا بد من فرض تعددية التجارب والطرق والأنماط فرضا. بهذا المسلك يمكن تغيير العالم، لأن التعددية في الأنظمة الاقتصادية الداخلية، وفي السياسات الخارجية، هي وحدها التي تستطيع التأثير في دائرة هيمنة المركز الواحد. وتحقيق هذه التعددية يتطلب صياغة مشروع حضاري جديد، يتكون في واقع الأمر من عدة مشروعات حضارية.

وتقدمه الدوائر الحضارية والجيو ـ ثقافية التكوينية الكبيرة، ابتداء من تفاعل وتواكب مختلف المدارس التكوينية الأصلية للفكر والعمل بها، ويقدم رؤى جديدة، تتشابك في رؤية عالمية جديدة، تعيد إلى الإنسانية ليس الأمل الأكيد في استمرارها فحسب، وإنما تعيد إليها أنماطا جديدة خلاقة إيجابية من التعامل الإنساني، والحياة الهادفة، والتقدم الروحي المتزن.

وفي حين يعول عبد الملك على الجيش «كسلطة اجتماعية» في أحداث النهضة في بعض الدول، ومن ثم التحرك نحو تغيير كثير من الأوضاع العالمية، فإنه يراهن على ما أسماها مناطق التأثير في القارات الثلاث في إعادة تشكيل ملامح جديدة للعالم المعاصر، من خلال التكتلات التي تقف في وجه الهيمنة الغربية.

ويضرب هنا مثالا بمجموعة دول عدم الانحياز التي عبرت عن وجدان الأغلبية الصامتة في العالم، لكن هذه المجموعة خمدت بعد حركة، وصمتت بعد ضجيج، ولم يعد لها وجود كبير ومؤثر على الساحة الدولية، ليبقى الخيار المطروح هنا ظهور قوة كبرى في وجه الانفراد الأميركي.

إن المشهد العالمي الأخير يوضح أنه في الوقت الذي كانت فيه روسيا تكشر عن أنيابها لجورجيا، التي شجعتها واشنطن على الخيار العسكري لضم أوسيتيا الجنوبية، بما أعاد موسكو إلى خط المواجهة ضد الولايات المتحدة ولو إلى حين، كان اللاعبون الصينيون يحصدون الميداليات الذهبية، ويدفعون بلادهم إلى صدارة العالم في هذا المضمار بدلا من أميركا.

ولأن الدورات الأولمبية ليست مجرد ألعاب بدنية، ولكنها تعبير عن مستوى النهضة الذي وصلت إليه مختلف بلدان العالم، فإن الصين أظهرت أنها قطعت شوطا بالغا على هذا الدرب، والسنوات المقبلة ستثبت ذلك من دون شك.

كاتب وباحث مصري : ammaralhas@hotmail.com