الكاتب هو البروفسور وليم برودي، مدير لجامعة أميركية عريقة تأسست قبل أكثر من قرن هي جونس هوبكنز، والموضوع متعلق بالتعليم الجامعي في عصر العولمة، حيث تتلاشى الحدود والمسافات بفعل التواصل الإلكتروني عبر شبكة الإنترنت العجيبة، وبالتالي يفقد المكان أهميته، كموقع الجامعة ومكان تواجد العالِم والحيز الذي يوجد فيه الطالب. أما ساحة النشر فهي مجلة «فورين أفيرز» الأميركية المعتبرة لعدد قديم (مارس ـ أبريل 2007)، غير أن الموضوع مستجد وذو حيوية وأهمية، ولهذا يستوجب الوقوف عند نقاطه.

يبين برودي أن المنافسة في مضمار التعليم الجامعي شديدة على المستوى العالمي، بيد أن قصب السبق ما زال لأميركا التي تنتشر فروع جامعاتها في ثمانين دولة، فهي مقصد نصف مليون من الطلبة الأجانب سنوياً، وجامعاتها تحتل نصف عدد المئة جامعة الأولى من حيث مستواها العلمي، ومن العشرين جامعة التي تتربع على قمة التعليم الجامعي عالمياً سبع عشرة جامعة منها أميركية.

في زمن عولمة التعليم الجامعي هذا تشكلت «طبقة من أهل العلم والخبرة» على الصعيد العالمي، تحدد السوق مستوى رواتبها والامتيازات التي تحصل عليها، وهؤلاء بالطبع لا تستقطبهم إلا الجامعات التي لها القدرة على الدفع، وهي «جامعات الدرجة الأولى عالميا».

وهنا تبز الجامعات الأميركية عن مثيلاتها في كل الدول، فقد قدرت أوقاف جامعة هارفارد في العام 2005 بنحو 25 مليار دولار، وجامعات ييل وستاندفورد وبرنستون وتكساس كانت كل واحدة منها تمتلك أوقافاً بعشرة مليارات دولار، وبأربع وعشرين أخرى تمتلك كل منها 2 مليار دولار.

في حين قرابة الستين من المعاهد والجامعات كانت لها وقفيات تقدر الواحدة منها بنحو مليار دولار! وبالمقارنة، فجامعتا أكسفورد وكمبريدج البريطانيتان كانتا الوحيدتين اللتين تمتلكان وقفيات بأكثر من أربعة مليارات دولار للواحدة، وخمس جامعات أخرى لها وقفيات تقدر كل منها بنحو 200 مليون دولار فقط، وهو ما تمتلكه 207 جامعات في الولايات المتحدة الأميركية!

إن دولاً قليلة كسنغافورة والصين ـ في رأي الكاتب ـ قادرة على أن تكون لديها جامعات من «الفئة العليا» أو «جامعات الدرجة الأولي»! وهذه الجامعات لا تستقطب الأساتذة المتميزين فحسب، بل تستقطب الطلبة اللامعين أيضاً من «معين عالمي»، ولهذا لا نستغرب أن يكون ثلث خريجي العلوم والهندسة في الجامعات الأميركية من الطبلة الأجانب، فضلاً عن نصف مجموع طلبة الدراسات العليا!

وكما أن المسافات أخذت تضيق والحدود تتهاوى بين المراكز العلمية، فإن الحدود والفواصل أيضاً باتت تتقوض بين العلوم بعضها بعضا، بحيث أصبح الباحثون يشكلون فريقاً للبحث، عادة ما يكون مكوناً من عدة تخصصات لدراسة ظاهرة بعينها من جوانبها المختلفة.

وتبعاً لذلك، أضحى الدعم المالي للأبحاث في غالب الأحوال لا يقدم لأستاذ فرد أو لقسم علمي معين، بل لفريق بحث متكامل ربما يتشكل من أقسام أو حتى جامعات متعددة تشترك في عمل واحد. وهذا التوجه ظهر واضحاً في جامعة جونس هوبكنز منذ العام 1985 ـ كما يقول مديرها برودي ـ الذي يضيف أن جامعته حصلت على دعم مالي علمي لأبحاث الجراحة باستخدام الإنسان الآلي، حيث اشترك أكثر من قسم علمي في هذا العمل (كقسمي الفيزياء والجراحة).

فضلاً عن اشتراك باحثين من جامعات أخرى من قبيل معهد كارنغي وجامعة هارفارد وغيرهما. ويورد برودي رأي أحد كبار الاقتصاديين الأميركيين، واسمه بيتر دروكر، الذي تنبأ في أوائل هذا القرن بأن نمط «الجامعة التقليدية» (أي تلك الموجودة في موقع محدد مع أساتذة تم تعينهم على سلم رواتب محدد فضلاً طلبة يتلقون العلم في أروقتها) سينتهي في غضون عقود ثلاثة.

وسيحل مكانه ما يسميه «الجامعة التي لا تحدها حدود» megaversity، حيث تترابط مكونات هذه الجامعة من حيث الحُرُم (جمع حَرَم) والإدارة والأساتذة والطلبة برباط الكتروني، شأن ما حصل في عالم الصناعة. فشركة فورد العملاقة التي كانت توظف مئة ألف عامل وفني في ثلاثينات القرن الماضي وكانوا يتمركزون في مكان واحد هو ديترويت، أمست الآن شركة تتوزع منشآتها ومن تتعامل معهم على مساحة واسعة من هذا العالم!

لا ينساق برودي لكل ما يطرح في هذا الخصوص، رغم إقراره بأن عصر الجامعات التقليدية قد بدأ نجمه بالأفول، فهو يرى أن ثمة معيقات ثلاثة ما زالت تقف أمام «الجامعة التي لا تحدها حدود»، ولعل أول هذه المعيقات هو دور الجامعة في صقل شخصية الشباب وتدريبهم على طلب العلم في «بيئة» معزولة نسبياً عن محيط الحياة اليومية (شبيهة بفكرة البرج العاجي)، يتوافر فيها أقرانهم وأساتذتهم وأدوات العلم المختلفة.

أما الآخر، فهو المتعلق ببقاء «الحدود السياسية» التي يتكون منها العالم بدول مستقلة ذات سيادة، تكون مواقع الجامعات الأم على أراضيها، وحيث تقوم سلطاتها بوضع المعايير لقبول شهاداتها والاعتراف بها. والأخير متعلق ب«المال» وتوفيره، حيث إن الدعم الحكومي هو أحد أهم مصادر تمويل الجامعات.

ويلاحظ الكاتب أن هذا الدعم الحكومي السخي يقتصر على دول الخليج العربي (الممتلئة جيوبها بالمال كما يقول)، أو سنغافورة المهتمة أشد الاهتمام بتطوير العلم عندها، أو كحالتي الهند والصين اللتين تتسابقان في مضمار التقدم العلمي والاقتصادي. ترى، أين مديرو جامعاتنا العربية وأساتذتها وطلبتها مما يطرحه هذا البروفيسور الحصيف والمتمرس في العلم؟!

كاتب كويتي : alyusefi@hotmail.com