تتوالى التحذيرات والمخاوف من احتمال انفجار الوضع في لبنان. علامات ومؤشرات كثيرة حملت أكثر من جهة على رفع الصوت وإبداء الخشية علناً، من عودة البلد إلى دوامة العنف. التوتر يخيّم من جديد على مدينة طرابلس، التي تعيش منذ فترة أجواء مشحونة وشديدة الاحتقان.

احتكاكات وصدامات وقعت في مناطق حساسة، سبق وكانت ملتهبة؛ في البقاع والعاصمة بيروت. وكأن فسحة الهدوء والاسترخاء التي عاشها البلد منذ أواخر الربيع الفائت، قد بدأت تخبو مع اقتراب فصل الصيف من نهايته. فاقم هذه المناخات، تواتر التهديدات الإسرائيلية ضدّ لبنان؛ الهادفة، من جملة ما تهدف إلى إرباك الساحة ورفع منسوب التأزيم الداخلي فيها.

وهذه ممارسة إسرائيلية مألوفة ومتوقعة. لكن الذي لا شك فيه أن احتمالات التدهور الأمني، الذي تزداد التخوفات من حصوله، تتراكم غيومها بالترافق مع عودة الأزمة السياسية إلى المراوحة؛ إن لم يكن إلى ما يشبه الانسداد. استحقاقات هامة جرى تأجيلها، بدلاً من تجاوزها وطيّ صفحتها.

خلافات ظهرت في تفسير توافقات، كان الاعتقاد أنها باتت محسومة. أيضاً ظهرت تباينات حول صلاحيات ومواقع. واكب ذلك عودة ولو خفيفة، إلى لغة التراشق السياسي؛ مع كل ما يفرزه من مناخات تصب في توسيع حالة التباعد. كذلك التجاذبات، المعروفة والمتصلة بالأزمة، ارتفعت وتيرتها.

الأهم وربما الأخطر من كل ذلك، أن الحوار الوطني الموعود، الذي كان لبنان ينتظره، بعد تشكيل الحكومة؛ لم ينطلق حتى الآن. سيرته تراجعت. بل هو يبدو وكأنه بات في حكم المعلّق، وحتى إشعار آخر. تعليق أو حتى تأجيل الحوار، كفيل بإعادة فتح كل أبواب الأزمة.

وهذا ما يبدو أن مخاطره بدأت تلوح في الأفق، إذا تأخر الاستدراك. لقد صار من المسلّم به، أن عودة اللبنانيين إلى الطاولة هي المفتاح الذي لا بديل عنه؛ والمدخل الذي لا يستقيم حلّ أو مخرج من دون ولوجه. المساعي البرّانية الحميدة، يحتاجها لبنان؛ نظراً لتداخلات أزمته وتعقيداتها.

خاصة المساعي العربية منها. وقد شهدت بيروت زحمة، عرفتها أكثر من مرة خلال أزمتها، من الزوار والوسطاء، العرب والأجانب، في الأيام الأخيرة. جهود مطلوبة ولها مردوداتها، بدرجة أو بأخرى. إذا لم تفلح في اجتراح الحلول والتسويات، فعلى الأقل هي تساهم في فرملة التصعيد وتنفيس الاحتقان. ولو بصورة مؤقتة، لشراء الوقت.

لكن دورها، كما ثبت في أكثر من مرة سابقة، لا يتعدّى التسكين ومحاولات التقريب والتحذير. لا يقوى بأي حال من الأحوال، أن يكون البديل عن دور أصحاب البيت أنفسهم. هم الأساس. ومن هذا الأساس مطلوب صحوة لا تقل عن انتفاضة على الأزمة، التي تسترهن هذا البلد وتهدده في الصميم.