الوصف الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس فيما يخص إقامة الدولة الفلسطينية بأنها قضية ليست سهلة، ولو كانت كانت كذلك لحلت منذ زمن، لا يشي بانفراجة حقيقية رغم ما يجري من مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية للوصول إلى سلام حقيقي بين الطرفين يفضي في النهاية إلى إقامة دولة فسطينية تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، كما يردد المسؤولون الأميركيون على الدوام، ويضع حدًّا لكل التعقيدات الناشئة عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي ويؤدي إلى حلحلة الملفات الوعرة التي تنوء بحملها المنطقة. وهذا الوصف يثير مشاعر الإحباط بدلاً من مشاعر التفاؤل، لأن الإدارة الأميركية تعلم أن الجانب الإسرائيلي هو المعطل، وكثيرًا ما يضع العقبات الواحدة تلو الأخرى، ويصطنع الحجج الواهية ليتنصل من كل التزاماته ويلتف على كل استحقاق، وهو وصف ينم أيضًا عن دور أميركي متخاذل وليس دورًا فاعلاً ومؤثرًا، حيث اقتصر هذا الدور على تشجيع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على إجراء مفاوضات فقط، واستبعاد أي طرف ثالث محايد من حضور المفاوضات ليساهم في بناء الثقة ودفع الطرفين إلى الانخراط في مناقشة القضايا الجوهرية وهي الحدود واللاجئون والقدس، ولو كانت هناك رغبة حقيقية وإرادة صلبة لدى الإدارة الأميركية في السير قدمًا لتحقيق ما تقدمت به من مبادرات ومؤتمرات وخارطة طريق، بالنظر إلى قدرتها على ممارسة ضغوط على حليفتها إسرائيل، لكان الأمر اليوم مختلفًا، وحلت أجواء التفاؤل والثقة في سماء الأراضي الفلسطينية خاصة والمنطقة عامة.

غير أن ما يحدث على الأرض الآن يسير عكس ما حملته تلك المبادرات والخطط والمؤتمرات، فحسب حركة (السلام الآن) الإسرائيلية المناهضة للاستيطان فإن تسمين المستوطنات في الضفة الغربية ازداد بمقدار الضعف منذ مطلع عام 2008، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2007، وهو بخلاف ما نصت عليه مقررات مؤتمر أنابوليس من وقف الاستيطان وإطلاق مفاوضات تتكلل بالتوصل إلى اتفاق سلام، وكان من المؤمل من الوزيرة الأميركية في زيارتها أمس الأول إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية أن تأمر بوقف الاستيطان، غير أنها اكتفت بانتقاده وحث حلفائها على تجنب العمل على تقويض جهود السلام مع الفلسطينيين، وخاصة عبر النشاطات الاستيطانية، وبالتأكيد أن هذه اللغة لا تعطي دافعًا للجانب الفلسطيني ولا لمن يقف وراءهم من أشقائهم العرب، فضلاً عما جاء على لسان وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك بأنه لا يمكن تصديق الوصول إلى اتفاق سلام خلال الأشهر المقبلة.

أما الحديث عن وجود أفكار جديدة طرحتها رايس في زيارتها تتمثل في لقاءات سرية مكثفة والنظر في قضية حدود يونيو 1967 والوضع حول القدس المحتلة، والعمل على الوصول إلى تفاهم قبل موعد انعقاد اللجنة الرباعية الدولية على المستوى الوزاري في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر المقبل، فأمر يدعو للتفاؤل، إلا أن التلميح الأميركي إلى النظر في إمكانية بلورة آلية دولية لتعويض اللاجئين الفلسطينيين وإلغاء حق العودة، لا يبعث على الاطمئنان، وإنما الخشية من أن تكون تلك الأفكار محاولة لتمديد الفترة المتبقية من عمر الإدارة الأميركية، وإبقاء الوضع الفلسطيني على ما هو عليه من انقسام، أو محاولة لاستقطاب مواقف الدول العربية إلى الصف الأميركي أو حتى تحييدها في مواجهة تطورات الحرب في القوقاز.

وفي مواجهة كل الاحتمالات ينبغي للفلسطينيين أن يتحركوا سريعًا إلى عقد الحوار الوطني وإنجاحه ونبذ حالة الانقسام ليتمكن الموقف العربي الداعم من العودة مجددًا، ومساندتهم في تحريك ملف قضيتهم في الأمم المتحدة.