التحليل السياسي هو بالأساس عمل يهدف إلى الكشف عن الخلفيات التي تحرك الحدث السياسي، وعندما يتغلب الانتماء الأيديولوجي للمحلل السياسي على حق المتلقي - قارئا كان أو مشاهدا - في أن يفهم، فإن التحليل يتحول من «الكشف» عن المجهول إلى «تلوين» المعلوم وصبغه بصبغة أيديولوجية.

والصراعات السياسية لا تدور أبدا في بيئة «معقمة» يتحكم فيها عامل واحد، بل تتضافر دائما عوامل واقعية وأخرى مبدئية، صحيح أن القرون التي عرفت بعصر «التنافس الاستعماري» كانت في المقام الأول «حروب موارد»، فالصناعة في طورها الأول كان اعتمادها على الموارد أكبر من اعتمادها على الأفكار والابتكارات، ومع التوسع في الإنتاج توسع الصراع ليشمل الأسواق، لكن هذه الصراعات رغم هذا لم تخل من التصارع بسبب المبادئ والقيم.

والصراعات التي شهدها القرن العشرون بدءا من الحرب العالمية الأولى مرورا بالحرب العالمية الثانية وانتهاء بالصراعات الإقليمية العديدة التي تلتها، كانت في المقام الأول «حروب مبادئ»، فقد كانت الطريقة التي بها تتأسس الدول وتدار والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وأنماط الملكية والإدارة ومعايير شرعية السلطة، هذه وغيرها من القضايا كانت في ظل النظام العالمي ثنائي القطبية مدار الصراع بين القطبين حتى انهيار الاتحاد السوفييتي.

وغني عن القول إن هذه الصراعات لم تخل أبدا من صراعات المصالح إما كسبب أو نتيجة، لكن المحرك الرئيس خلال هذه الحقبة كان التصور الذي ينطلق منه كل فريق للإنسان والمجتمع والدولة والذات والآخر..

..وبخاصة أن التكنولوجيا تضخم دورها حتى استطاعت تهميش أهمية الموارد الطبيعية بمفهومها الكلاسيكي في الإنتاج (الزراعي والصناعي معا) فضلا عن تدشينها عصر ما بعد الصناعة، وبالتالي فإن الوزن النسبي للموارد الطبيعية قد تناقص بشكل ملحوظ حتى تحولت الموارد من المركز إلى الهامش في الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي في آن واحد.

ورغم أن الصراع على المبادئ قد اشتعل بوتيرة أعلى عقب انهيار الاتحاد السوفييتي فإن السائد في الخطاب التحليلي العربي كان تهميش دور «المبادئ» لحساب «الموارد» والتركيز المبالغ فيه على المصالح كمحرك وحيد، والتغييب التام للمصالح هو الوجه الآخر للعملة، فالدولة في النهاية ليست «حركة تبشيرية» ولا مؤسسة خيرية، وتصور التوازن بين هذين العاملين أول أدوات المحلل السياسي لإدراك الواقع دون أوهام.

ومن ناحية أخرى فإن غياب «التصور» يفضي بالضرورة للفشل في بلورة خطاب تحليلي يتأسس على هذا التوازن.والمهم هنا ليس إصدار صك براءة أو قرار إدانة لهذا الطرف أو ذاك بل المهم القدرة على الفهم بعيدا عما نحب وما نتمنى.

والتمكن من الإحاطة من خلف أسوار الصور النمطية التي تقيدنا بها الانتماءات الأيديولوجية للفئة الأكبر من محترفي التحليل السياسي، فطالما ساهمنا في تعويد مستهلكي الخطاب التحليلي العربي على أنه يقدم لهم ما يحبون سماعه فمعنى هذا أن النتائج - بالضرورة - متضمنة في المقدمات، فلا كشف ولا إبداع ولا خيال ولا تجديد.

ومن نماذج هذا الخلل في منطق التحليل السياسي، التعميم والتبسيط المخل الذي يجعل النفط - مثلا - المفتاح الأول بل ربما الوحيد لفهم العالم وكأن تاريخ الصراع السياسي في العالم المعاصر هو تاريخ الصراع على النفط، وفي إطار هذا «التفسير النفطي للتاريخ» أصبحت ملفات مثل العلاقات الأميركية الخليجية غير قابلة للفهم تقريبا!

التي تعوم فوقها الصومال والتي بسببها وحدها سال لعاب الأميركان فجاءوا، وبرحيل الأميركان اختفت خرافات «النفط الصومالي»!

والنفي الدائم لدور المبادئ في الصراع كما لو كانت المصالح وحدها المبرر الوحيد المقبول للصراع السياسي أثر في رؤيتنا للعلاقات الدولية والصراع العربي الصهيوني والعلاقة مع الغرب وغيرها وغيرها من القضايا.

المثير أن هذا يترافق مع درجة كبيرة من العمق والموضوعية في عمل المؤسسات البحثية العربية - القليلة - وهذه الازدواجية بين الخطاب المنتج للعامة والآخر المنتج للمثقفين سيفضي إلى اتساع الهوة بينهما حيث الفرق ليس بين درجة العمق التي يتصف بها كل خطاب منهما بل أحيانا يكونان متناقضين تمام التناقض.

وقد ظهر هذا التناقض جليا في الجدل الكبير الذي أثاره مسلسل «فارس بلا جواد» الذي أنتج في مصر قبل سنوات وأثار قضية «برتوكولات حكماء صهيون» ومدى مصداقيتها وجدوى رؤية العالم من خلالها، وربما لولا المصداقية الكبيرة التي كان يتمتع بها المفكر العربي الإسلامي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري.

ولولا الجهد الكبير الذي بذله لما أمكن تقريب المسافة بين نقيضين: من ناحية بين مقتضيات الموضوعية التي مازالت تحكم العمل البحثي المنظم والمثقفون هم المتلقي الرئيس له، ومن ناحية أخرى الخطاب التحليلي الموجه للعامة بطبيعته التبسيطية وغرامه بالعامل الوحيد كمفسر للأحداث والتفسير التآمري كإطار مشوق للقصة والمصالح كمحرك يجعل الآخرين دائما جماعة من الأشرار لا يدفعهم أي مبدأ بل يحركهم طمع شره!

فهل خصومنا هم بالضرورة شياطين ميكيافيللية بلا مبادئ!

كاتب مصري

mmshikh@hotmail.com