ان يزور ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي مصر ويلتقي المسؤولين فيها ويبحث في قضايا مثل الأسير الاسرائيلي جلعاد شليط والأوضاع في قطاع غزة فهذا أمر متوقع، على اعتبار ان مصر تقوم بدور وساطة لتثبيت الهدنة في القطاع، والافراج عن الجندي الأسير، ولكن أن يبحث باراك مع القيادة المصرية الوضع في ايران ودور 'حزب الله' في لبنان.

فهذا امر مستهجن لأنه يوحي ان البلدين عضوان في جبهة واحدة، ويتبعان الاستراتيجية نفسها في التعامل مع القضايا الاقليمية. باراك قال للصحافيين بعد اجتماع استمر حوالي الساعة مع الرئيس مبارك ان ايران والوضع 'الهش' في لبنان كانا من بين القضايا التي ناقشها مع الرئيس المصري، بينما ذكر السيد احمد ابو الغيط وزير الخارجية المصري ان اللقاء تناول مجمل الاوضاع الفلسطينية الاسرائيلية بما في ذلك المسار التفاوضي بين الجانبين والاوضاع في غزة، أي أن السيد ابو الغيط تجنب الحديث عن المسألتين الايرانية واللبنانية اللتين تناولتهما مباحثات باراك مع الرئيس المصري.

ربما تكون هناك تحفظات مصرية 'مشروعة' تجاه نمو القوة والنفوذ الايرانيين في المنطقة، لان هذا يمكن ان يحدث خلللاً في موازين القوى الاقليمية، فمصر جزء من منظومة عربية لها مصالحها مثلما لها مصادر قلقها، ولكن هذا لا يعني انها تلتقي مع اسرائيل في هذا الاطار.

العداء الاسرائيلي لايران مبعثه حرص الدولة العبرية على التفرد في المنطقة كقوة عسكرية استراتيجية نووية وحيدة تفرض اجندتها على الجميع وتعزز سيطرتها على القدس المحتلة ومقدساتها العربية والاسلامية وتفرض منظورها للسلام القائم على الاستسلام والتنازل عن الثوابت والحقوق التاريخية المشروعة.

اسرائيل تهدد بشن حرب ضد ايران لتدمير برنامجها النووي، وتريد ان توحي بأن ما يسمى بمحور الدول العربية المعتدلة يساندها في هذه الحرب، وهذا ما قصده باراك باصراره على القول بأنه ناقش الموضوع الايراني مع الرئيس مبارك في مؤتمره الصحافي الذي عقده بعد اللقاء.

وكنا نتمنى لو ان الحكومة المصرية تنبهت إلى مثل هذه المصيدة التي يريد باراك ايقاعها فيها وهي مفتوحة العينين. ولكن وزير الخارجية المصري تجنب الرد على الوزير الاسرائيلي ولعله اراد ان لا يقع في جدل سيكون هو الخاسر الأكبر فيه.

ففي المرة السابقة التي زار فيها باراك نفسه القاهرة قال انه حصل على تعهد من الرئيس المصري بعدم فتح معبر رفح الا بعد الافراج عن الأسير الاسرائيلي جلعاد شليط. الحكومة المصرية نفت هذه التصريحات وقالت ان لا علاقة بين الافراج عن شليط وفتح معبر رفح، وان اتفاق التهدئة لا يتضمن نصاً في هذا الخصوص.

أشهر مرت على تطبيق اتفاق التهدئه الذي التزمت حركة 'حماس' وحكومتها في قطاع غزة بتنفيذ كل نصوصه، ومع ذلك لم تفتح الحكومة المصرية معبر رفح ايفاء بوعودها، بينما كانت الحكومة الاسرائيلية أكثر التزاماً منها عندما فتحت معظم المعابر الأخرى، وسمحت باستئناف نقل الوقود والطعام وإن بشكل جزئي.

اسرائيل تجر مصر إلى مأزق كبير بالايحاء بانها تشكل معها جبهة واحدة ضد ايران وسورية وحزب الله، وهذا تصرف يلحق ضرراً بمصر وسمعتها ومكانتها، خاصة في مثل هذا الزمن الصعب الذي تتغير فيه موازين القوى وبسرعة رهيبة ضد الولايات المتحدة واسرائيل على الأصعدة كافة.

فما حدث ويحدث من صعود للقوة الروسية، وهزيمة اسرائيل في جورجيا بعد هزيمتها في لبنان يجب ان يدفعا حكومة مصر إلى التراجع عن سياساتها التطبيعية مع اسرائيل، لا الظهور بمظهر التنسيق معها ضد دول وقوى عربية واسلامية ما زالت تتمسك بالثوابت العربية والاسلامية.