لا نستنكر على الهيئات والمؤسسات في الدولة إصدارها أي قرارات تنظيمية، لكن الاستنكار يصبح مشروعاً عند إصدار قوانين وقرارات دون أهداف واضحة ومقنعة، والإلزام باتباعها وإن كانت تتعارض مع قوانين أخرى، فذلك أسلوب يلغي فكر الإنسان بل ويحوّله إلى آلة تنفيذية، وهو ما يشعر به عدد ليس بالقليل من الأطباء في عيادات دبي الخاصة.

فقد تلقوا منذ فترة قراراً من هيئة الصحة بدبي يلزمهم بتزويد الهيئة إلكترونياً بمعلومات كاملة عن المريض فور خروجه من العيادة، وهو الأمر الذي لم يعتد عليه الأطباء والمرضى، ليس في الإمارات فحسب بل في كل دول العالم التي تتعامل مع ملفات المرضى بسرية تامة.

فكيف إذا علمنا أن المعلومات التي تطلب هيئة الصحة إدخالها وإرسالها إلكترونيا تتضمن معلومات دقيقة وتفصيلية عن المريض: اسمه، تاريخ ميلاده، رقم الهوية أو جواز سفره، أرقام هواتفه، البريد الالكتروني، صندوق بريده، اسم صاحب العمل وأرقام هواتفه، اسم الزوج والزوجة وأرقام الاتصال بهما، تشخيص المرض وتاريخ الأمراض السابقة، الوزن والطول وتحاليل الدم ونتائجها وفحوصات الأشعة ونتائجها، كل تلك المعلومات ينبغي تمريرها إلى البريد الخاص بالهيئة دون موافقة المريض ودون علمه حتى وان كان يعالج في عيادة نفسية أو نسائية أو تناسلية أو أي عيادة أخرى.

القرار عندما أثار تساؤلات عدد كبير من الأطباء، فذلك لأن مهنتهم تقتضي تعاملهم مع ملفات المرضى بسرية تامة حسب القوانين المحلية، هذا بالإضافة إلى أنهم لا يحبذون نقل المعلومات الخاصة بالمرضى عن طريق الانترنت الذي يمكن اقتحامه من قبل متطفلين فيتسبب في إفشاء معلومات سرية قد لا يرغب بعض المرضى في اطلاع اقرب الناس عليها.

حاول الأطباء الاتصال بالمسؤولين في هيئة الصحة بدبي للسؤال عن الهدف من إرسال تلك المعلومات الشخصية، والبحث عن مظلة قانونية يحتمون بها في حال اشتكى احد المرضى عليهم بدعوى تسريب معلومات شخصية عنه، لكن محاولات الأطباء لم تثلج صدورهم، فقد كان تبرير إحدى المسؤولات في الهيئة لذلك من أجل الإحصائيات، وهو الأمر الذي اعتاد عليه الأطباء طوال السنوات الماضية دون الإفصاح عن معلومات شخصية.

الأطباء في موقف حرج، فهم مهددون من مرضى قد يرفعون عليهم قضايا بتهمة تسريب معلومات خاصة دون الاستئذان منهم، ومهددون من جهة أخرى من الهيئة التي أصدرت القانون وتعاقب في حال عدم تطبيقه، إما من خلال عدم تجديد الرخص أو إلزامهم بدفع الغرامات.

في حين يمكن النأي بهم عن ذلك كله من خلال الاجتماع بهم وتوضيح الصورة للوصول إلى اتفاق يضمن عدم انتشار معلومات المرضى وعدم ملاحقة الأطباء قانونياً.

فلا أحد يقف ضد إجراء الإحصائيات، لكن هذا النوع من القرارات لابد وان يطبق دون ضغوط قانونية أو اجتماعية. فلماذا لا يجتمع مسؤولو الهيئة مع أطباء العيادات الخاصة للتحاور معهم حول ايجابيات هذا النظام وكيفية تجنب سلبياته وضمان تطبيقه دون أضرار، لاسيما وانه النظام الأول والوحيد المطبق في الدولة؟

هذا ما نأمله لنعيد الطمأنينة إلى الأطباء الذين نقدر حرصهم على أداء مهنتهم دون انتهاك حقوق مرضى أو مجاوزة قوانين.

maysaghadeer@yahoo.com