من بين ثلاثة تصدروا قائمة المرشحين لمنصب نائب الرئيس اختار أوباما أكثرهم وسطية في رسالة واضحة مؤداها أنه ينوي أن يدير حملة انتخابية تستهدف الناخبين الذين يقعون في مربع الوسط السياسي سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين أو مستقلين.
ففي الأسابيع الأخيرة، انحصر الاختيار بين ثلاثة هم السناتور إيفان باي، وتيم كين حاكم ولاية فرجينيا والسناتور جو بايدن.
والسناتور إيفان باي هو أحد رموز اليمين في الحزب الديمقراطي بينما تأتي مواقف تيم كين أقرب إلى يسار الحزب. أما جو بايدن فرغم أنه من صقور الحزب في السياسة الخارجية إلا أنه يمثل تيار الوسط عموما بين الديمقراطيين سواء فيما يتعلق بالاقتصاد أو القضايا الاجتماعية. وتناسب وسطية بايدن أوباما بشكل كبير فهو يمثل تيار الوسط أيضا ويريد لحملته أن تعبر عن ذلك.
وقد وقع الاختيار على بايدن لسبب آخر لا يقل أهمية وهو خبرته الطويلة في الشؤون الدولية. فالرجل فاز بمقعده في مجلس الشيوخ في عام 1972. وخدم منذ ذلك التاريخ في لجنة العلاقات الخارجية التي رأسها أكثر من مرة.
والجدير بالذكر أن بايدن كان في المرحلة الأولى من تاريخه السياسي وحتى بداية التسعينات يميل نحو اليسار في قضايا السياسة الخارجية. فهو كان مثلا من أهم الداعين إلى معاهدات الحد من التسلح ومن المعارضين لحرب الخليج الأولى في 1990. ولكنه صار منذ منتصف التسعينات تقريبا يتخذ مواقف أكثر يمينية في السياسة الخارجية. فوافق مثلا على قرار غزو العراق الذي صدر في 2002. ثم عاد واعترف بأنه أخطأ حين اتخذ ذلك القرار وصار من وقتها من أشد المنتقدين لسياسة إدارة بوش الخارجية.
غير أن بايدن يظل أيضا من أهم الداعين إلى تقسيم العراق إن لم يكن أول من دعا علنا لتبنى ذلك الخيار. وقد عبر عن رأيه هذا في سلسلة من الخطب والمحاضرات التي ألقاها في عامي 2006 و2007 فضلاً عن مقالات منشورة في عدد من الصحف الأميركية الكبرى. لكن بايدن يظل من الرموز المهمة التي تتمتع بخبرة حقيقية مجال السياسة الخارجية وتحظى باحترام واسع في داخل أميركا وخارجها.
والرجل أيضا صاحب خبرة موسوعية في مجال القانون الدستوري، وترأس لجنة القضاء في مجلس الشيوخ. وهى لجنة مهمة لأنها التي تصدق على تعيينات الرئيس لقضاة المحاكم الفيدرالية بما فيها المحكمة العليا. كما أنها اللجنة صاحبة الاختصاص في كل ما يتعلق بالشئون الدستورية والقانونية المتعلقة بصلاحيات المؤسسات المختلفة.
وتعتبر تلك الخبرة بالغة الأهمية فأوباما الذي لم يمكث في الكونجرس سوى سنوات أربع يحتاج بالقطع لتلك المعرفة الدقيقة بتعقيدات السياسة وأطرها الدستورية والقانونية خاصة إذا ما كان ينوي تغييرها.
غير أن اختيار بايدن له سبب آخر بالغ الأهمية. فطبيعة الحملة التمهيدية التي أدارها أوباما وحملته للفوز بترشيح الحزب خلقت له بعض المشكلات التي يمكن لبايدن مساعدته في التعامل معها.
فلأن أوباما من أصول افريقية في مجتمع لا تزال فيه لدى الكثير من البيض صور نمطية سلبية بشأن السود فقد أدار حملة انتخابية ذات طابع فريد.
فهي لم تكن مصادفة أن ركزت حملة أوباما دوما على أن مرشحها خريج جامعة هارفارد وتولى تحرير أهم دورياتها القانونية. وهو أمر غير مألوف في حملات الرئاسة، إذ عادة ما يتجنب المرشح التركيز على ما قد يظهره وكأنه يعيش في برج عاجي يعجز معه عن فهم هموم الناخب العادي. ولم تكف الحملة أيضاً عن تذكير الناخبين بأن أوباما من أم بيضاء وأب كيني مهاجر. أي أن أوباما ليس أسوداً عادياً وإنما هو «أميركي» هاجر أبوه طوعاً فحقق هو «الحلم الأميركي».
بعبارة أخرى فإن الرسالة الواضحة التي وجهتها حملة أوباما منذ البداية كانت أنه «ليس ككل السود»، وإنما هو أسود له ظروف وخبرات وملكات استثنائية، وهى رسالة براجماتية هدفها الفوز في مجتمع لا يزال يحمل نعرات عنصرية مستترة.
وقد نجحت تلك الرسالة فعلاً إلى جانب رسائل أخرى كثيرة في فوز أوباما بترشيح الحزب، ولكنها في الواقع خلقت مسافة بينه وبين الطبقة العاملة البيضاء على وجه التحديد. فالطابع «النخبوي» الذي قدمت به الحملة أوباما هو آخر ما تريده تلك الطبقة في مرشح الرئاسة.
ثم ان هذه الطبقة تحديداً هي تلك التي كان الجمهوريون قد نجحوا عبر عقود طويلة في إقناعها بأن الديمقراطيين قد ذهبوا بعيدا نحو دعم الأقليات على حسابها.
أضف إلى ذلك أن الحملة الشرسة التي دارت بين أوباما وهيلاري في المرحلة التمهيدية قد استعدت الكثير من الناخبات خصوصا الأكبر سنا اللائي اعتبرن أن هيلارى واجهت حملة ذات طابع ذكوري ولم تعامل بما تستحقه من احترام كامرأة صاحبة خبرة وتايخ سياسي.
ومن أجل اجتذاب أولئك وهؤلاء وقع الاختيار على جو بايدن. فهو صاحب شخصية بالغة البساطة لا يكف عن التفاعل مع المواطنين العاديين الذين يحبون لغته المباشرة ويقدرون صدقه معهم ومن ثم فهو قادر على التفاعل بالذات مع الطبقات العمالية في ولايات حيوية انتخابيا مثل بنسلفانيا وأوهايو ومتشجان. هذا فضلا عن أنه كهل وصاحب سجل معقول في الدفاع عن المرأة الأمر الذي قد يمثل نقطة جذب للنساء الأكبر سنا.
لكن ينبغي القول أن بايدن أيضا من الذين لا يحسبون جيدا وقع كلماتهم الأمر الذي قد يوقع الحملة في مشكلات كبرى. ومن هنا، تظل قدرة بايدن على مساعدة أوباما سؤالاً مفتوحاً.
كاتبة مصرية
