ليس من المبالغة في شيء لقول بأن وزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس التي تقوم بسابع زيارة لها الى الشرق الاوسط منذ مؤتمر انابوليس للسلام في واشنطن في نوفمبر الماضي هي من اكثر وزراء الخارجية الامريكيين الذين زاروا المنطقة بل انها اكثر هؤلاء الوزراء تكريسا للوقت والجهد من أجل محاولة التوصل الى اتفاق فلسطيني اسرائيلى يحقق ما وعد به الرئيس الامريكي جورج بوش فيما يتصل بالاتفاق على اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار الى جانب اسرائيل والتوصل الى تسوية للنزاع الفلسطيني - الاسرائيلي.
ومع الوضع في الاعتبار التصريحات التي تدلي بها رئيسة الدبلوماسية الامريكية ووزارة الخارجية الامريكية حول المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وامكانية التوصل الى اتفاق قبل مغادرة الرئيس الامريكي للبيت الابيض في العشرين من يناير القادم، فإنه يبدو وكأن الاوضاع تسير نحو مزيد من الانفراج بشكل او بآخر. وفي هذا الاطار فإنه ليس من المصادفة على اي نحو ان تتزامن زيارة رايس لاسرائيل والاراضي الفلسطينية المحتلة مع الافراج امس من جانب اسرائيل عن مائتي اسير فلسطيني، كما انه ليس مصادفة ايضا ان تتواصل التهدئة بين حماس واسرائيل في قطاع غزة المحتل ــــ بغض النظر عن بعض الانتهاكات للتهدئة من جانب هذا الطرف او ذاك ـــ يضاف الى ذلك ان هناك خطوات مبذولة من أجل محاولة استئناف الحوار الفلسطيني - الفلسطيني بشكل او بآخر لجمع الشمل الفلسطيني الذي بات ضروريا الآن ربما أكثر من اي وقت مضى.
واذا كانت العناصر المشار اليها، وكذلك ما تعمد اليه رايس احيانا من رفع نبرة تصريحاتها بشكل محسوب بالنسبة للحماقات والانتهاكات التي ترتكبها اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك انتقاد خطط وبرامج اسرائيل لتوسيع المستوطنات، تمثل في مجموعها أدواتا وعناصر لحلحلة الموقف وتحريكه على طريق انجاح المفاوضات الفسطينية الاسرائيلية التي من المقرر ان تتمخض عن اتفاق اقامة الدولة الفلسطينية مع حلول يناير القادم، الا انه يبدو ان اسرائيل تعمد الى السباحة في اتجاه آخر لا يلتقي مع تلك الاهداف التي ترغب واشنطن في التوصل اليها.
وفي هذا الاطار فإنه من المهم والضروري تجاوز التصريحات البروتوكولية الاسرائيلية، وكذلك مناورات حكومة اولمرت على كل المستويات، داخلية واقليمية ودولية، حتى يمكن رؤية ما يجري بشكل واقعي وموضوعي بعيد عن الوقوع في مطب التفكير بالتمني، او التفسير المبالغ فيه للاحداث.
واذا كان من غير الممكن الحد من تأثير طبيعة التطورات الداخلية الاسرائيلية، والصراع السياسي داخل حزب كاديما لخلافة اولمرت، وبين الاحزاب الاسرائيلية استعدادا للانتخابات القادمة، على مواقف مختلف الاطراف الاسرائيلية في الحكومة والمعارضة، الا انه يمكن القول بدون اية مبالغة ان حكومة اولمرت تغلق الطريق بالفعل أمام امكانية التوصل الى اتفاق مع السلطة الفلسطينية حول اقامة دولة فلسطينية مستقلة الى جانب اسرائيل وحول مفاوضات الوضع النهائي، فضلا عن انها تدفع الاوضاع على الارض في اتجاه مزيد من التناحر والخلافات الفلسطينية، وهي تعرف جيدا كيف تدير ذلك كله. أما تصريحات وزيرة الخارجية الاسرائيلية وغيرها من المسؤولين حول صعوبة وعدم امكانية التوصل الى اتفاق هذا العام فانها عديدة ومتكررة.
وفي ضوء ذلك هناك تضارب وتعارض واضح وملموس بين محاولات رايس لتحريك المفاوضات لعلها تخرج بنتيجة مناسبة، وبين ما تعمد اليه حكومة اولمرت من عرقلة او قطع الطريق امام امكانية التوصل الى اتفاق. ومن ثم يظل السؤال هو هل تستطيع رايس ان تدفع اسرائيل الى الموقف الذي يسمح بالتوصل الى اتفاق، أم ان اولمرت وليفني وباراك سيواصلوا المناورات حتى نفاد الوقت؟
