لم يعد خافياً خلل التركيبة السكانية، وما ينطوي عليه من مخاطر. ولم يعد خافياً أيضاً حرص مسؤولي الجاليات في الدولة على رعاية مصالحهم وحمايتهم لدرجة قد تصل إلى المبالغة أحياناً، فالعادة اقتضت أن يكون الغريب في أي بلد مؤدباً وملتزماً بحدوده، لإدراكه أنه ضيف على البلاد التي يقيم فيها اليوم ويرتحل عنها غداً، إلا أن الوضع الذي نعيشه في الدولة والذي يسير نحو تمكين بعض الأجانب جعل المسؤولين عن تلك الجاليات يسعون نحو تثبيت أقدام جاليتهم والتدخل في كل صغيرة وكبيرة؛ وإن كانت قوانين ونظماً، لتدور الأمور لصالح جاليتهم.

السفير الهندي في الإمارات صرح منذ أسبوعين لصحيفة «ذا ناشيونال» الصادرة في أبوظبي عن العمالة الهندية في الدولة بأمور مثيرة للقلق، ومع ذلك لم يعلق على تصريحاته أي مسؤول رغم أن تصريحاته تضمنت إشارات ذات مدلولات خطيرة لا يفترض أن تمر على مواطن؛ مسؤولاً كان أو فرداً عادياً مرور الكرام.

فالسفير الهندي اعتبر الجالية الهندية «تكمل البنية الوطنية» في الإمارات، وقال إن هناك تحولاً جوهرياً في البنية السكانية للهنود في الدولة بفضل فرص العمل المتنامية، وتوقع أن تكون جاليته القوة التي تقود قطاع الخدمات واقتصاد المعرفة في الإمارات باعتبارها الجالية الوحيدة المتسمة بالعمق، ناهيك عن أمور أخرى لم تخف ثقته المطلقة بجاليته ورغبته في انتزاع صلاحيات قانونية أكثر تجعله يضمن سير الدفة لصالح جاليته.

قد لا نستطيع عتاب السفير المعتد بجاليته والحريص على مصالحها، وقد يكون ردنا ضعيفاً فيما لو اعتبرنا جاليته ليست جزءاً من بنية المجتمع الذي فتح الأبواب لها بصورة فاقت أي جنسية أخرى، لكن من حق المواطنين التعبير عن مخاوفهم من أفواج أصبحوا محاطين بها وغير قادرين على مواجهتها ويجدون منها منافسة حقيقية، فهل حسبنا حساباً لذلك كله؟ وهل نحتمل تداعيات ومخاطر هذا الوضع مستقبلاً؟

لقد اغترب المواطنون، وعاشوا في مختلف دول العالم، لكننا لم نسمع يوماً من أحد سفراء الإمارات تصريحاً كالذي أدلى به سفير الهند، لأنه وببساطة لم يكن له النفوذ في الدولة التي يمارس فيها دوره الدبلوماسي كالنفوذ الذي يحظى به سفير الهند الذي فاقت جاليته في عددها وسيطرتها أعداد المواطنين وأعداد أي جالية أخرى!.

الجاليات المتنامية في الدولة بكثرتها ونفوذها وما منحت إياه من مصالح قد تنافس على مراكز القيادة في مجالي الاقتصاد والمعرفة وغيرهما، باعتبار أنها تساهم في تنمية الدولة، وباعتبار رياح العولمة التي قد تمنحها حقوقاً، وهو الأمر الذي لابد وأن يدفع لإعادة النظر في أعداد الجنسيات في الدولة والتنويع والموازنة فيها، لاسيما وقد بدأت بعض السفارات تتصرف على غير العادة وكأنها، تنظم أمور شعب وليس جالية!.

maysaghadeer@yahoo.com