يصر بعض اللبنانيين ممّن أنهكتهم التجاذبات السياسية والعسكرية الدموية التي عصفت بوطنهم، على التسلّح بأمل كبير مفعم بإيمان قوي بأن العهد الجديد الذي انطلق مؤخرا سيكون بمثابة فاتحة خير عليهم وعلى وطنهم المعذب. بعض هؤلاء لا يكتفي بهذا القدر المتواضع من التفاؤل، بل يجد في نفسه ما يكفي من الشجاعة ليتمادى أكثر ويؤكد أن هذا العهد سيشكل في حقيقة الأمر بداية النهاية لجميع الأزمات التي عصفت بلبنان.

أما المعطيات التي يعتمد عليها هؤلاء فتنطلق في الغالب من طبيعة العهد القائم باعتباره عهدا توافقيا بامتياز: فاتفاقية الوئام الوطني التي تم التوقيع عليها في الدوحة تعتبر تاريخية برغم إصرار آخرين على وسمها بلون الدم نظرا للأحداث المؤسفة التي سبقتها بل ومهّدت لها..

وشخصية الرئيس المنتَخب العماد ميشال سليمان هي أيضا توافقية وإن كان هناك من ينظر بعين الريبة إلى بعض ممارساته العملية التي تقربه من وجهة النظر «المعارضة»، ما سيجعل منه حسب رأيهم جزءا بسيطا من المشكلة لا مساهما محايدا في إيجاد الحلول. يضاف إلى ذلك كله بالطبع الحكومة الائتلافية ذات الطابع الوحدوي الوطني شبه الشامل، والتي وضعتها الظروف التاريخية في موقع لا تحسد عليه أبدا، لأن الآمال المعلّقة عليها في هذا الظرف الدقيق هي أكبر بكثير مما قد تتمكن من تنفيذه في غضون أشهر قليلة.

مقابل هذه النظرة التفاؤلية نجد في لبنان وخارجه أيضا من هم ليسوا من معسكر المبالغين في التفاؤل بمستقبل واعد للبنان، انطلاقا من بعض الحقائق التي أعتبرها شخصيا منطقية وجديرة بالاهتمام لأنها تسعى بالدرجة الرئيسية لبناء وطن، لا لتكريس منطق الساحة التي تتجمع فيها فرق منقسمة على نفسها تتخذ شكل القبائل (ولا أقول الأحزاب) السياسية حينا وشكل الطوائف الدينية أحيانا أخرى.

إن النظرة الشائعة لدى هذا الفريق تتمثل بالجزم بأن لبنان لن يكون وطنا فريدا من خلال الإصرار على تعدديته الطوائفية وانعكاسها تاليا في النظام والتركيبة السياسية - الاجتماعية للوطن، بل من خلال التوجه الى خطوات مفيدة تهدف بالدرجة الرئيسية لتربية جيل وطني حقيقي يدين بالولاء للبنان أولا وأخيرا..

هذا يعني بأن الجيل الجديد المطلوب «استهدافه» إيجابيا يجب أن يُبعّد تماما عن الماكينات التربوية والإعلامية والتذهيبية لهذا الفريق أو ذاك، وأن ينمو ويترعرع على برنامج تربوي وطني حقيقي يكون جزءا أساسيا وملزما من كافة المناهج التربوية في المدارس الخاصة قبل الرسمية. ويجب أن يسبق ذلك كلّه في طبيعة الحال توافق جوهري بين كافة القوى على طبيعة الوطن النهائي لجميع أبنائه، مع ما قد يتطلبه ذلك من تذليل لكافة العقبات الماثلة على كافة الأصعدة الايديولوجية أو الدينية أو المذهبية.

وإذا أردنا أن نتوافق مع من يريدون تمييز لبنان عن غيره من الأوطان، نستطيع الجزم فعلا بأن ظاهرة الطائفية السياسية تميّز هذا الوطن عن كثير من دول العالم، لا سيما في الطريقة المتبعة والمتوافق عليها حول كيفية توزيع السلطة والنفوذ. لكن يجب التأكيد بأن هذا الجزم لا يعني توافقا إيجابيا مع ما يطرحه كثير من المستفيدين في لبنان بأن الطائفية السياسية هي الحل الأمثل للقضاء على المشاكل التي يتخبط بها الوطن حاليا، أو أنها الخيار الوحيد الذي يمكن للقوى الفاعلة أن تتوافق عليه.

في واقع الأمر، ان الطائفية السياسية هي حسب رأيي أحد أبرز مكامن الخلل المتأصل في النسيج السياسي والاجتماعي اللبناني، وهي تجسد ذلك المكان الواهن في جسد الوطن الذي منه تتسرب كافة العلل والآفات المزمنة والقاتلة. وما يدعو للاستغراب حقا، هو أن هذا الأمر انتبهت إليه معظم الحلول الموضوعية التي هدفت لإنقاذ الوطن في حقبات تاريخية متفاوتة كان آخرها في اتفاق الطائف، لكن السياسيين لم يتحلوا أبدا بالشجاعة الكافية للالتزام ببنودها ووضع آلية مركزية لإلغاء الطائفية السياسية والانطلاق لاحقا لبناء الوطن الحقيقي.

من هنا، قد يبدو العهد الجديد الذي انطلق في لبنان أمام تحديات حقيقية لأنه سيقف على مفترق طرق تتفرع منه الخيارات الصعبة: فإما يكون عهدا جديدا بكل معنى الكلمة وينكب بالتالي على عملية بناء الدولة وتطوير مفاهيمها وفق ما يقتضيه العصر الذي نعيش فيه، وإما يكون رقما عاديا في كتب التاريخ تستخدمه الأجيال القادمة لإحصاء الشخصيات التي تعاقبت على الحكم في البلاد.

ويبدو أن المهام الأكثر تعقيدا ستلقى على كاهل القوى السياسية المتصارعة، والتي تعد العدّة لإطلاق عجلة الحوار الوطني الشامل في ظل هدوء سياسي غريب بتنا نلمسه تباعا منذ حصول حكومة الاتحاد الوطني على الثقة. فهذه القوى مسئولة أصلا عن حالة التوتر التي شهدتها البلاد خلال الحقبات الماضية، وهي التي ستكون كذلك مسئولة عن النهج الذي ستنحوه البلاد خلال الفترة المقبلة، في حين أن الدور التوافقي لرئيس الجمهورية سيكون أساسيا لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر.

ولا أدري في الحقيقة إن كانت هذه القوى تدرك جسامة المهام الملقاة على عاتقها، لأن ما ذكرتُه سابقا عن الهدوء السياسي قابله خلال الأيام الأخيرة إمعان في سياسة الشحن المذهبي والطائفي، تحضيرا على ما يبدو للانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستكون حسب رأيي من أهم الانتخابات في تاريخ لبنان الحديث لأنها ستحدد النقطة الفاصلة في التوجه المستقبلي للوطن.

إذا، فالفترة المقبلة مليئة بالتحديات الجسام لأنها ستثبت للقاصي والداني من مِن تلك القوى يطمح فعليا لبناء وطن حقيقي، ومن منها يرغب في الحفاظ على الوضع الشاذ القائم منذ زمن بعيد . انه تحد صعب فعلا، لأن المطلوب هو مواجهة آلام الناس ومعاناتهم.. وتلبية طموحاتهم المتواضعة.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz