قبل أيام عدة نجحت إيران في إحداث اختراق تقني في مجال الفضاء لا يقل أهمية عن الاختراق السابق في مجال التقنية النووية للأغراض السلمية. حدث ذلك باستعمال العقول الإيرانية المحلية بشكل رئيسي ورغم الحصار الغربي المحكم المفروض على إيران منذ ما يقارب الثلاثة عقود من السنين.
الاختراق في مجال الفضاء يضع إيران على عتبة غزو الفضاء الخارجي لا يقل كثيراً في الأهمية عن الاختراق الصيني والياباني وحتى الأوروبي، لكن يظل في طور البداية مقارنة مع البرنامجين الأميركي والروسي. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف والإمكانيات المتاحة للقوى العلمية والتقنية الإيرانية. إيران اليوم قادرة على أخذ مدار فضائي لها حول الأرض يصل في الارتفاع إلى ما لا يقل عن 600 كيلومتر.
الرسالة واضحة إلى المعسكر الغربي وهو أن إيران قد تغلبت بشكل واضح على كل المحاولات الغربية لشل قدرتها على تحقيق الإنجازات وإبقائها ضمن منظومة دول العالم الثالث المتخلفة. الصناعة الأساسية في إيران قطعت شوطاً كبيراً في كافة المجالات الأخرى من صناعات غذائية ودوائية وزراعية وتعدين وإلكترونية وفي مجالات هندسة المواد والهندسة الميكانيكية والتقنية المتطورة.
إيران اليوم في حالة اكتفاء ذاتي واستطاعت كبح جماح كل المحاولات لتحديد قدرتها على الوقوف على قدميها والتأثير في العالم الآخر. القوى الأوروبية والصينية واليابانية بصورة خاصة باتت تشعر أن عليها أن تقبل عضواً جديداً في ناديها النووي والتقني والفضائي.
الرسالة الثانية هي إلى الدول النامية واضحة كذلك وخاصة للدول التي تشابه إمكانيات إيران الاقتصادية والقوى البشرية والعقليات التقنية. الأمثلة على هذه الدول كثيرة مثل مصر وتركيا وباكستان وبعض الدول الأخرى في أميركا الجنوبية وجنوب شرق آسيا.
باستطاعة هذه الدول النهوض بأنفسها وتخطّي الحواجز النفسية والمعنوية والقيود المفروضة عليها والتي تمنعها من التطور والتقدم ولو بمقدار قيد أنملة، إلا بعد تلقّي إشارات من الدول الغربية. في هذا السياق فإن القيادة الإيرانية أعلنت أنها تضع إمكانياتها في سبيل خدمة تلك الدول النامية، وبشكل خاص الإسلامية منها.
قلبت إيران الطاولة في وجه كافة القوى الغربية المتربصة شراً بالمجهود البشري الإيراني. لم يبق أمام معسكر الدول الغربية إلا تكرار الأسطوانة المشروخة التي تتحدث عن إيران كدولة «عضو» في محور الشر وتساند الإرهاب.
ذلك حقيقة ما يكشف سر تضخيم الدعاية والإعلام الغربي المنحاز والذي يذهب به الأمر في إثارة كذب وتصديقه إلى درجة تسيير الجيوش والحملات العسكرية لغزو واحتلال دول أخرى. حدث ذلك مع العراق حيث كان الأخير يسير قدماً في تطوير صناعته وقدراته التقنية مما أثار حفيظة وحسد وضغينة القوى الاستعمارية الحديثة وبدأت بكيل التهم الكاذبة له تمهيداً لغزوه.
في اليوم الذي بث فيه التلفزيون الإيراني صوراً لمنصة متقدمة لإطلاق الصواريخ القادرة على وضع أقمار صناعية في مدارات حول الأرض بدا الزعماء الغربيون في حالة من الانتكاسة والاستنفار البائس. لم يجد الرئيس الأميركي بداً من اللعب على وتر الحفاظ على أمن إسرائيل وحلفاء أميركا في المنطقة من احتمال وضع رؤوس حربية على «مسبار أوميد» المخصص لحمل تلك الأقمار الصناعية.
مرةً أخرى «الاستعمال المزدوج» للصاروخ الإيراني مع غضّ الطرف عن الاستعمال الواحد للصواريخ الأميركية والإسرائيلية النووية التي تقض مضجع كل أهل المنطقة. لكن ماذا باستطاعة الدول الغربية فعله ضد إيران سوى التخويف من حرب هي أول من يعلم أنها لن تجدي نفعاً؟!
. التجربة العراقية لا يمكن تكرارها ضد إيران وذلك لاختلاف الفروق كمّاً ونوعاً، تكتيكياً وإستراتيجياً. الخطط الغربية لإبقاء السيطرة على العالم الآن تصطدم بحواجز منيعة في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز والقرن الإفريقي وشبه القارة الهندية وأميركا الوسطى. لم يجن الغرب من انقياده وراء سياسة بوش سوى التراجع وتكرار خيبة الأمل.
المثل الإيراني سهل التطبيق والانتشار في دول أخرى حيث الأخيرة لا تحتاج إلى حصار مطبق كالذي حدث مع إيران من أجل اللجوء إلى قواها الذاتية والبشرية بشكل جدّي لتطوير أنفسها. الحصار الغربي على إيران كان بمثابة «هدية صعبة» لكن قيّمة أدى بها إلى تطوير نفسها بدرجة ملحوظة.
هذا مقارنة مع دول أخرى أغدقت عليها الشركات الغربية والأميركية بمنتجات خنقت روح الابتكار والاختراع لدى أجيال طويلة عريضة من المتعلمين فيها. بصورة خاصة فالعالم العربي قادر على الاستفادة من التجربة الإيرانية وأن لا يرضخ للإملاءات الغربية التي تصنف إيران كدولة شريرة راعية للإرهاب. الاستفادة هنا ليست بالتقليد أو حتى تبادل الخبرات ولكن بالركون إلى الذات ومواجهة الأمور بشجاعة كافية لخلق واقع للأجيال عليها أن تتخطاها فقط بجهودها الذاتية.
إذا ما نجحت إيران في «تصدير» تقنيتها في مجال الطاقة النووية والفضاء إلى مناطق أخرى فإن ذلك يمثل نصراً كانت تحلم به منذ نجاحها في التخلص من نظام حكم شاه إيران قبل ثلاثة عقود، مما وضعها في مواجهة قاسية مع الدول الكبرى المنهجية الغربية التقليدية في حالة يُرثى لها إذا ما بقيت على تلك الحال. على الدول الغربية والحال هذه البدء بتغيير منهجيتها اتجاه الدول الصغيرة القائمة على التعالي والاستكبار والغطرسة والاحتكار، تارة بحجة رعاية وحفظ المصالح ومرة أخرى بحجة حماية الملكية الفكرية.
العالم والشعوب اليوم قادرون على إحداث ابتكارات واختراعاتٍ واختراقات في مجالات العلوم والتقنية تنسف النظريات الاستعمارية الاستكبارية القديمة الحديثة، ودون هوادة.
جامعة الإمارات
Nasrin@uaeu.ac.ae