استقبلت فلسطين أمس دفعةً من أسراها في مشهدٍ نأمل ألا يكون الأخير تتوالى فصوله مكتملةً في مسيرة النضال والتحرير الفلسطيني التي لم يكن لها أن تثمر هذا الإنجاز الثمين لولا إصرار وعزيمة المقاومين الفلسطينيين وإبداعاتهم الإنسانية في المعتقلات الإسرائيلية.
ما أرغم تل أبيب على إطلاق سراحهم رغم محاولاتها المكشوفة والمثيرة للشفقة بتسمية تلك العملية بـ «بادرة حسن نية» تجاه القيادة الفلسطينية. يعلم الجميع أن إسرائيل وطوال عقودٍ طويلة من حروبها العدوانية على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية جمعاء لم تبادر في يوم من الأيام بأي بادرةٍ تكشف حسن نواياها. فأنى لفاقد الشيء أن يعطيه؟.
كيف لمعتدٍ غاصب أن يبادر بمنح ضحيته حريتها عن طواعية أو قناعة ؟. بل هل لحكومة رئيس وزراءٍ راحلٍ غير مأسوف عليه أن تقرر إطلاق سراح هؤلاء الأسرى ومن بينهم عميد الأسرى الفلسطينيين لو لم تدرك حكومته أخيراً أن سياساتها الخرقاء لم تكن إلا وبالاً عليها؟، خاصةً ونحن نرى انهيار مبدأ إسرائيل القديم بعدم جواز إطلاق سراح فلسطيني «تلطخت يداه» بدماء الإسرائيليين.
تبدو قضية الأسرى الفلسطينيين من أكثر القضايا إلحاحاً على مسار المفاوضات مع إسرائيل خاصةً وأن أرقاماً كبيرة من هؤلاء لا تزال مغيبةً في أقبية المعتقلات الإسرائيلية. ويبدو ملحاً اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى ضرورة توحيد الصف الفلسطيني ولم شمل الكلمة السياسية من رام الله إلى غزة من أجل معالجة جادة لمأساة أسرى المقاومة وآلام أهاليهم الذين أدمت قلوبهم سنوات التغييب القسري لأبنائهم.
وهذا ما يحتم على المسؤولين الفلسطينيين على مختلف مشاربهم إيلاء تلك المسألة أولويةً كبيرةً في جلسات المفاوضات تقطع الطريق على ألاعيب السياسة الإسرائيلية التي لطالما حاولت المراوغة في التعامل مع ملف الأسرى تارةً بتأجيل عملية تحريرهم وتارةً أخرى بالإبقاء على أسرى اتفق على إطلاق سراحهم لكي يدرك الإسرائيليون أن كل أسير فلسطيني هو قضية بحد ذاته .
وأن العرب لا يتركون أبناءهم وراء ظهورهم بل لتدرك إسرائيل أنها مهما حاولت كسر عنفوان المعتقلين والتضييق عليهم فإنهم سيزدادون صلابة ليحولوا زنازينهم إلى مدارسٍ نضالية وليخرجوا منها ليعودوا مجدداً إلى دورة المقاومة التي لا ولن تتوقف حتى تحرير آخر شبر من الأراضي الفلسطينية وعودة اللاجئين وإطلاق سراح جميع الفلسطينيين الأحرار من سجون احتلالٍ أسير أوهامه التوسعية وعقيدته الاستعلائية.
