للوهلة الأولى بدت أحداث جورجيا عادية، عرضية، عديمة التأثير خارج دائرتها، ويمكن السيطرة عليها بسهولة.
هكذا بدت هذه الأزمة عند الناس العاديين وغير المتابعين، ولكن ما إن تم تسليط الضوء على الدور الأميركي ـ الإسرائيلي فيها، وتالياً الدخول في تفصيلاتها وحيثياتها ونتائجها، حتى انقلبت الصورة رأساً على عقب، وظهرت الحقائق كما هي بامتداداتها، وانعكاساتها وأخطارها الشديدة ليس على منطقة القوقاز فحسب وإنما على مجمل السلم العالمي.
القضية وما فيها أن إدارة بوش، ومعها إسرائيل، أرادتا حرباً حقيقية في القوقاز تأكل الأخضر واليابس، على أمل كسر شوكة روسيا الصاعدة في كل المجالات الداخلية والخارجية، والمهيأة لإنهاء معادلة القطب الواحد التي استحوذت عليها الولايات المتحدة منذ أوائل التسعينيات.
ولم يتوقف دور الإدارة الأميركية وإسرائيل على دفع الرئيس الجورجي إلى المغامرة، بل هيأتا لها عسكرياً وسياسياً، وربما اختارتا التوقيت لبدء المغامرة التي ذهب إليها الرئيس الجورجي على رجليه عامداً متعمداً، وبدرجة كبيرة من الاستفزاز.
واللافت للانتباه في هذه الأزمة أن إسرائيل كانت طرفاً أساسياً مع جورجيا في مواجهة روسيا، سواء على صعيد تسليح الجيش الجورجي، أو تدريبه ورفده بجنرالات الحرب. وهذا ما تأكد على أرض الواقع بالأدلة القاطعة غير القابلة للنفي.
إدارة بوش أرادت كسر شوكة روسيا، وإسرائيل ظنت أنه بإمكانها الاستفادة من مثل هذه الأزمة، فخاب ظن الجانبين وحليفهما الجورجي، وانتصرت روسيا بكل ما لهذه العبارة من معان.
وهذا الاستفزاز الأميركي ـ الإسرائيلي لروسيا كان من الممكن أن يشعل حرباً عالمية ثالثة لولا يقظة روسيا. وعلى ما يبدو فإن إدارة بوش المعروفة بتهورها وحربيتها ومغامراتها، ومعها إسرائيل المجبولة بالعدوانية والتضليل والمكائد لا تمانعان إشعال مثل هذه الحروب.
ما حدث في القوقاز كان من الممكن أن يتوسع غرباً وشرقاً بشكل متسارع، وبالتأكيد هذا ما أرادته إدارة بوش وإسرائيل.
