من المؤكد ان تمكن السفينتين اليونانيتين من كسر الحصار الاسرائيلي على قطاع غزة المحتل ووصولهما الى القطاع، هو في حد ذاته امر طيب وايجابي يعكس مدى التضامن والتفاعل الدولي مع المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الشقيق بسبب الجرائم التي ترتكبها اسرائيل في حقه بشكل دائم، ومنها تشديد الحصار والتجويع والتخريب المتعمد والواسع النطاق للاقتصاد الفلسطيني، الى جانب ما ترتكبه بشكل يومي من جرائم منهجية تخالف كل القوانين والاعراف الدولية، بل والنواميس الانسانية ايضا.
ومع الوضع في الاعتبار البعد الرمزي لهذه الخطوة، بغض النظر عن اي شيء آخر، الا انه من الاهمية بمكان التوقف قليلا امام بعض الجوانب التي ترتبط بها، او التي يمكن الاستفادة منها بشأنها بغض النظر عن محاولات القفز الى اهداف او امور ذات ابعاد سياسية واضحة ومعروفة على نطاق واسع.
على أية حال فانه من الاهمية بمكان الاشارة الى حقيقة جسدتها عملية وصول السفينتين الى شواطئ قطاع غزة المحتل، وهي ان الترحيب بالسفينتين والسعادة بنجاحهما في الوصول الى الشعب الفلسطيني المحاصر، كان ترحيبا وسعادة فلسطينية وطنية تجاوزت الفصائلية والفئوية وتسامت على حالة التناحر البغيضة بين الاشقاء. نعم كانت مشاعر صادقة تجاوزت كل الفواصل والمسافات تقريبا او كادت، وهو ما يوفر في الواقع ارضية يمكن البناء عليها او على الاقل الانطلاق منها بشكل مبدئي من اجل تجاوز الواقع الفلسطيني المر والذي تتفق كل الاطراف دون استثناء على مأساويته الحقيقية على مختلف المستويات دون استثناء.
من جانب آخر فانه من المعروف على نطاق واسع انه مع التقدير لكل محاولات كسر الحصار الاسرائيلي على الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة المحتل، وهي محاولات عديدة لم تتوقف تقريبا على امتداد الفترة الماضية من جانب اطراف عربية وغير عربية عديدة، لم تتوفر لها - لأسباب عديدة - تغطية اعلامية مماثلة لما توفر لتحرك السفينتين اليونانيتين وما حملتهما من ناشطين من جنسيات مختلفة واعمار متفاوته، الا انه يمكن القول بأن عملية كسر الحصار الاسرائيلي بشكل حقيقي تبدأ في الواقع من الداخل الفلسطيني.
صحيح ان المحاولات الخارجية لكسر الحصار الاسرائيلي على الفلسطينيين، عربية كانت او غير عربية، تسهم في مساعدة الشعب الفلسطيني وامداده ببعض سبل التغلب على محاولات التجويع والقهر اللاانسانية، ولكن الصحيح كذلك ان تلك المحاولات لا يمكن ان تغني او تكفي او تضع حدا للحصار او توفر مطالب واحتياجات الشعب الفلسطيني، لسبب بسيط هو ان اسرائيل تمارس سياساتها الاجرامية مستندة الى ما يعانيه الواقع والاوضاع الفلسطينية من انقسامات وخلافات وصلت حد التقاتل والتخوين وتبادل كل الاتهامات بين فتح وحماس على امتداد أكثر من عام.
ومن هنا فان الخطوة الاكثر اهمية والاجدى بالنسبة للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية كذلك اليوم قبل الغد هي التئام الحوار الوطني الفلسطيني بين فتح وحماس وكل الفصائل الفلسطينية، والالتقاء على مواقف وسياسات وخيارات واضحة ومحددة تحقق صالح الشعب والقضية الفلسطينية قبل مصالح اي فصيل فلسطيني. ولكن السؤال هو هل تتوفر الارادة الكافية لذلك من جانب مختلف الفصائل الفلسطينية، وهل هذه الفصائل مستعدة لتقديم مصالحها الذاتية قربانا للمصلحة الفلسطينية العليا؟ ولأن هذين السؤالين مطروحان منذ زمن غير قليل فان الاجابة تظل مجال جدل كبير. ومع ذلك فانه من المأمول ان يسهم المناخ الحالي في التقريب على الاقل بين فتح وحماس للالتقاء لتجاوز وكسر الحصار بشكل حقيقي، اي من الداخل اولا وحتى تكون محاولات كسره من الخارج مفيدة ومؤثرة.
