من حقنا أن نحلم لوطننا ومن حق الآخرين أن يحلموا لأوطانهم، ومن حقنا أن ننحاز لمصلحة وطننا ومن حق الآخرين أن ينحازوا لمصالح أوطانهم، ومن حقنا أن نتحدث عن إنجازاتنا ومن حق الآخرين أن يتحدثوا عن إنجازاتهم، ولكن شريطة أن لا تتصادم أحلام الآخرين مع أحلامنا، وأن لا تتعارض مصالح الآخرين مع مصلحتنا، وحين تُجيَّر إنجازاتنا لغيرنا يجب علينا أن نتوقف لنستبين الحقيقة ونقدمها للآخرين حتى لا يلتبس الأمر ويكبر الوهم.
في حديثه لصحيفة «ذا ناشيونال» الصادرة في أبوظبي بتاريخ 14 أغسطس الجاري كان السفير الهندي لدى الدولة صريحا وهو يتحدث عن العمالة الهندية في دولة الإمارات، وكان دبلوماسيا عندما تحدث عن عمق الروابط التي تجمع بين البلدين، لكن دبلوماسية السفير تخلت عنه عندما تحدث عن جوانب أخرى فجاء حديثه مستفِزا، حتى لو لم يقصد ذلك.
السفير الذي كان يتحدث للصحيفة عن العمالة الهندية بالدولة قال إن ثلث العاملين الهنود المغتربين الآن أصبحوا من ذوي الياقات البيضاء المحترفين (وهو مصطلح يطلق على حملة الشهادات الجامعية الذين يتقاضون أجورا مرتفعة إلى حد ما مقارنة بأجور العمال الذين يطلق عليهم ذوي الياقات الزرقاء) وتكهّن السفير بأن يكون مواطنوه القوة القائدة لنمو قطاع الخدمات واقتصاد المعرفة.
وقال إن الجالية الهندية تكمل «البنية الوطنية» للإمارات وتمدها بالعمالة من مختلف المستويات، موضحا أن تحولا جوهريا حدث في «البنية السكانية» للمغتربين الهنود في الإمارات بفضل فرص العمل المتنامية والعلاقات الوثيقة التي تربط بين البلدين، مضيفا أن الدور الذي يلعبه العمال الهنود سوف يتطور لتلبية احتياجات الإمارات.
وأن الجالية الهندية هي الجالية الوحيدة التي لديها العمق والاتساع اللذين يمكن من خلالهما تلبية احتياجات هذا البلد، ويعتقد أنه بعد عام 2010 (عندما يصبح قطاع الخدمات واقتصاد المعرفة هما القوة المسيطرة) فإنه سوف يصبح لدينا عدد أكبر من الهنود المحترفين هنا.
ويؤكد السفير أن زيادة عدد المحترفين المتعلمين من شبه القارة الهندية يقف على قدم المساواة من حيث الأهمية مع العدد الكبير من العمال ذوي الياقات الزرقاء الذين لم يتلق أغلبهم تعليما جيدا، ولحماية مثل هؤلاء، بدءا من الخادمات وحتى عمال البناء، فإنه من المهم سن قانون يُفرَض بموجبه حد أدنى للأجور، وبينما يعتقد السفير أن قوى السوق هي التي تحدد الأجور فإنه يشعر بأن هذه القوى ملائمة للمتعلمين، بينما يحتاج غير المتعلمين توجيها ودعما.
(إن وضع حد أدنى للأجور موضوع حساس جدا هنا، لكننا لا يمكن أن نتجاهله) هكذا يواصل السفير الهندي الذي يوضح أن القوانين الجديدة التي أُقِرّت هذا العام حددت أجور الخادمات الهنديات بما لا يقل عن 300 دولار أميركي (1100 درهم) واشترطت موافقة السفارة الهندية على جميع الوظائف، ونصت على وجوب أن تزود كل خادمة بهاتف نقال!
ويختتم السفير الهندي حديثه بالقول إنه في حين يمكنه القيام بعملية التفتيش على مواقع العمال بسهولة فإن القانون يمنعه من دخول البيوت للتحقق من أوضاع الخادمات، ومع ذلك فقد أعرب عن أمله في تحسن الأوضاع.
انتهى كلام سعادة السفير، ولنا عليه ملاحظات عديدة؛ أولها أن من يستمع إلى الحديث يتبادر إلى ذهنه أن السفير يتحدث عن مقاطعة هندية وليس عن دولة مستقلة ذات سيادة، خاصة عندما تكهّن بأن يكون مواطنوه هم القوة القائدة لنمو قطاع الخدمات واقتصاد المعرفة، وعندما قال إن الجالية الهندية تكمل «البنية الوطنية» لدولة الإمارات، وإنها الوحيدة التي تملك العمق والاتساع اللذين يمكن من خلالهما تلبية احتياجات البلد.
كل هذا الكلام مردود عليه، فالقوة القائدة التي تقف خلف نمو أي بلد هم أبناؤه، وأبناء الإمارات لا تنقصهم المعرفة ولا الخبرة ولا المقدرة على النهوض باقتصاد بلدهم في كل القطاعات، ومع احترامنا للجالية الهندية ودورها فإن من يكمل «البنية الوطنية» لدولة الإمارات هم أبناء الإمارات، وإذا وافقنا على أن هناك من يكمل لنا «بنيتنا الوطنية» فمن يضمن لنا أن لا يطالب من يكمل «بنية وطن» بحقوق سياسية ومدنية تكفلها له قوانين النظام العالمي الجديد؟
ومع تقديرنا لوجهة نظر السفير واعتزازه بجاليته فإن الجالية الهندية ليست هي الوحيدة التي تملك العمق والاتساع اللذين يمكن من خلالهما تلبية احتياجات بلدنا، فهناك جاليات عربية شقيقة وأخرى غير عربية صديقة ساهمت وما زالت قادرة على الإسهام بشكل كبير وفعال في توفير احتياجات البلد من العمالة الماهرة والمستويات الأخرى من الوظائف حتى تكتمل عملية التنمية ويتحقق الاكتفاء الذاتي، علاوة على أننا لا نريد الارتهان لجالية معينة ووضع كل البيض في سلة واحدة لما في ذلك من مخاطر على أمننا الوطني.
أما تنبؤات السفير بتزايد عدد الهنود من ذوي الياقات البيضاء في الإمارات بعد عام 2010 عندما يصبح قطاع الخدمات واقتصاد المعرفة هما القوة المسيطرة فلا نعرف على أي شيء تستند، إذ يُفتَرَض أن عدد المواطنين المؤهلين لقيادة هذه القطاعات سيكون قد زاد، إضافة إلى أن اقتصاد المعرفة يحتاج إلى عمالة أقل، وبالتالي يُتوقع أن تتناقص الحاجة إلى العمالة الوافدة.
ثم نأتي إلى النقطة التي يعتقد السفير أنها حساسة جدا هنا، وهي المتعلقة بالأجور فنقول إننا لا نجد في الموضوع أي حساسية، إذ من حق دولته أن تضع حدا أدنى للأجور، ومن حقها أن تشترط تزويد كل خادمة بهاتف نقال، وجهاز «لابتوب» مع خط انترنت، وطبق لاقط مرتبط بال«هوت بيرد»...
ومن حق مواطني الإمارات أيضا أن يقبلوا بهذه الشروط كلها أو بعضها أو يرفضوها لأن المسألة عرض وطلب وليس ثمة من يجبر طرفا على القبول أو الرفض، أما الحساسية الحقيقية فتكمن في عملية التفتيش التي قال السفير إنه يستطيع القيام بها على مواقع العمل، لكن القانون يمنعه من دخول البيوت للتحقق من أوضاع الخادمات الهنديات، لأننا نعتقد أن قوانين العمل في الإمارات هي التي تضمن حقوق العمال.
والجهات التي تشرف عليها هي المسؤولة عن تطبيقها والتأكد من تنفيذها في مواقع العمل، أما التفتيش فهو ليس من مهام السفراء في العرف الدبلوماسي على حد علمنا، ولأننا نعرف أن كل القوانين (بما فيها القانون الهندي) لا تسمح لأي جهة بانتهاك حرمة البيوت إلا بإذن من السلطات المختصة ووفق إجراءات معينة لا تخفى على سعادة السفير.
إننا نقدّر دور كل الجاليات، لكنه دور استفاد منه الطرفان، ولم يكن يوما من قبيل المساعدات الإنسانية البحتة، كما أننا نتفهم حرص كل السفراء على مصالح جالياتهم، ولكن ليس إلى الدرجة التي تتعارض مع مصالح الوطن وتمس كرامة أبنائه، فهل نحن مخطئون؟
كاتب إماراتي