لا يمكن لأي مراقب موضوعي أن يحمّل المفاوضات الأمريكية مع الطرف العراقي في السلطة الآن أكثر مما تتحمّل.فهي «مفاوضات» بالاسم فقط، في حين أن تعريفها الصحيح، يكشف أنها تطبيق لاستراتيجية أمريكية في العراق.

بل إن بوش والمالكي كانا أكثر وضوحا حين التقيا في نوفمبر الفارط، وأعلنا عن اتفاقهما على توقيع «اتفاقية وضع القوات» الأمريكية في العراق، قبل نهاية جويلية الماضي.

والحقيقة وحتى لا تنطلي الحيل الأمريكية على الرأي العام العالمي، فإن كل ما في الأمر، أن وضع القوات الأمريكية الآن على محكّ القانون. إذ أن التفويض الذي تمكّّنت منه القواتالأمريكية في العراق (احتلال) من الأمم المتحدة، سوف ينفد مفعوله في 31 ديسمبر 2008 . وبالتالي فإن الطرف الأمريكي بحاجة الى قناع آخر ليغطّي به عورة الاحتلال الذي يكرّسه في العراق.

لذا، لا يمكن الحديث عن اتفاق بين وفدين مستقلّين لبلدين مستقلّين. كل ما في الأمر، هو أن الاحتلال الأمريكي لا يزال حيّا. والإدارة الأمريكية تعمل الآن قبل أن يحلّ موعد 31 ديسمبر القادم على إعادة احتلال العراق.

إن الجميع يتذكّّر تلك المحاولات التي قام بها الأمريكان مع صدّّام حسين حين كان في الأسر، بل ان جزءا من تلك الطلبات الأمريكية المثيرة للسخرية، اتضح أنها قُدّّمت أيضا لطه ياسين رمضان، حسب مذكراته التي تنشر يوميا بالصفحة التاسعة.

فقد كان الأمريكيون يطلبون «تيسير» وجودهم العسكري في العراق، في شكل ثماني قواعد عسكرية، خارج المدن، مع إيقاف المقاومة، فكان جواب الوطنيين الذين قضوا نحبهم نتيجة تمسكهم بالمبدإ، أن «لا» وألف «لا»، وأن أدنى تعامل مع الاحتلال هو كنسه وإسقاطه.

بإمكان الوفد «العراقي» الحالي الادعاء أنه يفاوض الأمريكان ندّّا لندّ، لكن الحقيقة هي غير ذلك. فالأمريكيون احتلوا العراق، ليبقوا فيه، وبالشكل الذي يخدم مصالحهم، وهم كقوة احتلال لا يمكن أن يفكّروا في مصلحة العراق.

لذلك فإن الحديث عن انسحاب من المدن في 2009 وانسحاب من العراق في 2011 ، ليس سوى لغو، تعوّدت عليه الشعوب التي تعرف معنى الاستعمار.

الاتفاق المرتقب بين المفاوضين الآن حول وضع القوات الأمريكية ليس سوى غطاء آخر للاحتلال الأمريكي للعراق، اذ لم يورد التاريخ يوما انسحاب محتل (اسم فاعل) بالمفاوضات، وبدون مقاومة مسلحة وعصيان. لذلك فإن الأمريكيين يبحثون الآن عن شكل اخر لاحتلال العراق بأقل التكاليف بالنسبة لهم لا غير.