شهدت الايام الاخيرة جدلا واسعا بين العديد من الأطراف العراقية حول المفاوضات الجارية بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الامريكية حول مستقبل القوات الامريكية في العراق، والافكار المختلفة حول العلاقات بين الدولتين في ضوء ما سيمكن أن يتم التوصل اليه من اتفاق.

ومع الوضع في الاعتبار ان الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة الامريكية او غيرها من الدول يظل من صميم الاختصاص الداخلي للعراق، خاصة وانه امر يتصل بالعراق حاضرا ومستقبلا، إلا انه من المعروف على نطاق واسع ان مختلف التطورات التي مر بها العراق الشقيق ويمر بها تنعكس على نحو او آخر على مجمل الاوضاع الخليجية والعربية من حوله، كما ان المنطقة لا تزال تعاني من تبعات ما تعرض له العراق عام 2003 وما أدى اليه ذلك من هز الاستقرار في العراق ودوائر عديدة محيطة به . ومن هنا فإنه من المرجح ان أطرافا عديدة اقليمية ودولية كذلك، تبدي اهتماما كبيرا وعميقا ايضا بكل ما يجري في العراق، خاصة وان الأهمية التي يشكلها العراق لا تقتصر على البعد او المجال الاقتصادي والنفطي ـــــ بحكم الثروات النفطية العراقية الضخمة ــــ ولكنها تمتد بالضرورة الى أهمية العراق كموقع حيوي وكقوة كان لها تأثير كبير على مجريات التطورات في المنطقة من حوله.

وفي ضوء ذلك، وبغض النظر عن طبيعة المحادثات العراقية الامريكية التي أشارت واشنطن الى انها متواصلة وانها بصدد التوصل الى اتفاق خلال الفترة القادمة، فإنه من المهم والضروري أن تسعى مختلف الأطراف العراقية ودون استثناء ايضا من أجل تأمين خروج العراق ليس فقط بأفضل النتائج ولكن ايضا بأكبر قدر من التوافق الوطني حول الحاضر والمستقبل، وكذلك حول سبل بناء العراق الجديد على نحو يحقق مصالح كل العراقيين.

واذا كانت التطورات التي تعرض لها العراق الشقيق على مدى السنوات الماضية قد أحدثت خلافات بين القوى والتيارات والفصائل العراقية، كما أظهرت تباينا في المصالح بين بعضها البعض على نحو او آخر، خاصة وانه كانت هناك أطراف تعمل على تغذية تلك الخلافات وتأجيجها، إلا انه من المؤكد ان مصالح كل الفرقاء والقوى والفصائل العراقية ــــ أيا كانت انتماءاتها ودوافعها ومنطلقاتها ــــ هي جزء من المصالح الوطنية العراقية التي ينبغي ان تلتقي عندها ومن اجلها كل الاطراف العراقية. يضاف الى ذلك ان تطورات السنوات الاخيرة أظهرت بما لايدع مجالا للشك أن التمزق والتناحر والخلافات بين العراقيين لا تحقق مصلحة اي طرف عراقي وأنها تنتقص فقط من قوة العراق ومنعته وقدرته على مواجهة مايعترض له من محن وتحديات، وهناك العديد من التجارب والأمثلة العملية التي تؤكد ذلك بالنسبة لكل القوى والمناطق العراقية دون استثناء.

وانطلاقا من ذلك، فإن جهدا عراقيا كبيرا من المنتظر انه سيبذل، ليس فقط من جانب الحكومة العراقية التي تقوم بالتفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن ايضا من جانب القوى والاطراف العراقية الاخرى التي ينبغي ان توفر لها دعما وتأييدا يمكنها من الحفاظ على المصالح العراقية لصالح كل العراقيين. أما استباق الأحداث وتحويل المفاوضات التي لم تنته بعد الى نقطة خلاف أخرى مع الحكومة والانطلاق من ذلك الى التصعيد السياسي والاعلامي، فإنه بالقطع لا يخدم المصالح العراقية، حتى وان أفاد مصلحة هذا الطرف العراقي او ذاك بشكل مؤقت او جزئي. على اية حال فإن الحفاظ على استقرار العراق وتماسكه الوطني ارضا وشعبا وصياغة علاقاته الاقليمية والدولية بما يحقق مصالحه ومصالح المنطقة من حوله تظل مسؤولية كل القوى العراقية التي ينتظر الجميع تعاونها الحقيقي من أجل ذلك.