يرى علماء السياسة أن أول خطوة في التحليل السياسي هي إعطاء تعريفات واضحة ومصطلحات محددة للقضايا التي يتم تحليلها وفي الحالة العراقية فإنه لا يمكن بأي منطق ألا يتم تعريف الوجود الأمريكي فيه إلا بالاحتلال الأجنبي مهما تعددت الذرائع أو تنوعت الحجج. الغطرسة الأمريكية التي بدأت بالغزو المنفرد للعراق وتسببت فيما آلت إليه الأوضاع هناك من انفلات أمني تعود اليوم بصورة أخرى.
أبرز مظاهر هذه الغطرسة هي قيام الإدارة الأمريكية بتسويق مفهوم التراضي والتفاوض حول انسحاب القوات الأمريكية في الوقت الذي تخول سيادة العراق على نفسه إعطاء كامل الحق للدولة العراقية في تحديد التاريخ الذي يناسبها لانسحاب القوات الأمريكية دون الحاجة للتفاوض حول الجدول الزمني أو الرجوع للولايات المتحدة. ما يجب أن يتم بالتراضي هو الدعوة العراقية لبقاء القوات الأمريكية لمساعدة الجيش العراقي وتدريبه وهي الدعوة التي يملك الأمريكيون حق قبولها أو رفضها أو التفاوض بشأنها.
غالبية الشعب العراقي باتت اليوم ترى الوجود الأمريكي استعمارا جديداً. وبالتالي أضحت الاتفاقية الأمنية عملية تقنين لهذا الاستعمار الذي بات واضحاً أيضاً وجوده لعدة أهداف مركزية تخدم المصالح الأمريكية دون أدنى التفات للمصالح العراقية أو مصير شعبه. فالوجود الأمريكي الذي يتمحور حول النفط وإنشاء القواعد العسكرية هو الأساس في عملية التفاوض حول الاتفاق. حيث لم يتم تسريب أية معلومة حول دور النفط في الاتفاق كذلك تم تسريب إمكانية انسحاب القوات الأمريكية من المدن منتصف العام القادم.
الولايات المتحدة تريد قبل كل شيء التوصل لاتفاق قبيل نهاية الغطاء الدولي لوجودها والذي ينتهي بنهاية العام الحالي وليس في أجندتها البقاء في المدن فهو ما سبب لها الخسائر البشرية الحالية. الولايات المتحدة تريد النفط والقواعد العسكرية ودون ذلك فهي على استعداد لترك باقي الأمور للقادة العراقيين وهو ما بدا واضحا من التسريبات التي ألمحت لمقايضة رايس الجدول الزمني العراقي في مقابل تنازل عراقي يتضمن صلاحيات الجنود الأمريكيين.
هناك الكثير من الأسئلة المتعلقة بالاتفاقية الأمنية وحقيقة الأهداف الاستراتيجية التي تريدها الولايات المتحدة منها. فامتناع البيت الأبيض عن عرض الاتفاقية على مجلس الشيوخ بحجة تعرضها لانتقادات هي حجة واهية وسينتج عنها عدم دخول هذه الاتفاقية في دائرة المعاهدات التي تصدق عليها الدولة. ما يعني ضمناً إمكانية قيام الإدارة الأمريكية الجديدة بنقضها من أساسها. وهو ما بدا واضحاً من اختيار عام 2011م تاريخاً للانسحاب حيث يأتي هذا التاريخ متوسطاً للتواريخ التي عرضها كل من أوباما وماكين للانسحاب من العراق وهي 2010م و2013م على التوالي. من المرجح أن مسألة الاتفاقية الأمنية وإن تم التوصل لاتفاق بشأنها اليوم سيعاد فتحها مستقبلاً حيث مازالت هناك الكثير من الأمور المعلقة وعلى رأسها سيادة الدولة العراقية.
