من المعروف للجميع بلا استثناء أن روسيا ليست بحاجة لحلف الناتو لا من قريب ولا من بعيد، ومن المعروف للكثيرين، وخاصة الغربيين جميعهم أن الناتو هو الذي بحاجة ملحة لروسيا خاصة الآن في أفغانستان.
وربما تكون من الصدف الغريبة أنه بعد بيان الحلف في بروكسل الذي أدان فيه روسيا في حربها لرد العدوان الجورجي عن أوسيتيا الجنوبية وقرار دول الحلف بوقف أو تعليق اجتماعات مجلس «روسيا ـ الناتو»، بعد هذا البيان بساعات تشن طالبان في أفغانستان هجوما قويا على قوات الحلف في الجنوب وتوقع العديد من القتلى والجرحى من الجنود الفرنسيين،.
ويصدر بيان الحلف عن هذا الهجوم قائلا إن قوات الحلف في جنوب أفغانستان تعاني بشدة من نقص الإمدادات والتمويل السريع بسبب ابتعاد المساقات عن مراكز الإمداد، وهو السبب الذي من أجله لجأت واشنطن وقيادات الحلف إلى روسيا في الربيع الماضي ترجوها مساعدة قوات الحلف، باعتبارها الوحيدة التي تملك إنقاذ قوات الحلف في جنوب أفغانستان عن طريق توفير نقط إمداد قريبة من أراضيها أو من أراضي الدول المجاورة في وسط آسيا مثل أوزبكستان وطاجيكستان.
وهذه الدول لا يمكن لها أن تتخذ قرار المساعدة للحلف إلا بموافقة موسكو وفقا لاتفاق منظمة «شنغهاي للتعاون» التي تضم هذه الدول مع روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزيا، وكم كانت سعادة واشنطن وقادة قوات الحلف عندما وافقت روسيا على تقديم المساعدات، والآن يأتي موقف الحلف السلبي من روسيا ليغير الاتجاهات ويلغي الاتفاقات، فمن الخاسر إذا ؟
لقد خرج بيان الحلف مدينا لروسيا في حملتها لإنقاذ أوسيتيا الجنوبية، وواضح أن القرار صدر بضغط قوي من واشنطن، بدليل أن قادة دول الحلف رفضوا جميعا في اجتماعهم في بروكسل اتخاذ أي موقف مقاطع لروسيا، واكتفوا فقط بالإدانة، أما قرار تعليق اجتماعات لجنة «روسيا - الناتو» فلا قيمة له، لأن هذه اللجنة عديمة الفاعلية ولا تغير شيئا، وليس أدل على ذلك من أن روسيا نفسها قبل اجتماع قادة الحلف بيوم واحد قامت بسحب طلب لها كانت قد تقدمت به تدعو هذه اللجنة لاجتماع طارئ.
روسيا دولة مستقلة عسكريا تماما، فهي لا تستورد سلاحا من أحد ولا تستعين بأحد في أي نواح عسكرية، وبالتالي فهي في غنى تماما عن التعاون مع الناتو الذي هو بحاجة ملحة دائما لها، وما صرحت به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس من أن الحلف سيعاقب روسيا ولن يسمح لها برسم حدود جديدة ـ على حد قول رايس ـ، هو قول فارغ من الأهمية والمضمون.
وهم يعلمون جيدا أن أحدا في الحلف لا يجرؤ على منع روسيا من فعل ما تريد، ويكفي دليلا على ذلك حالة الانقسام الشديدة التي وقعت بين دول الحلف أثناء اجتماعهم في بروكسل عندما طرحت واشنطن فكرة معاقبة روسيا، هذا الانقسام الذي وصل لدرجة أن بريطانيا الحليف الأول لواشنطن والمؤيد لها دائما بلا تردد رفضت تماما فكرة معاقبة روسيا، على الرغم من أن العلاقات بين موسكو ولندن على مدى العامين الماضيين متوترة .
وليست على ما يرام، ولكن هذا لم يمنع وزير الخارجية البريطاني دافيد ميليباند في اجتماع الحلف من إبداء اعتراض بلاده الشديد على طلب واشنطن معاقبة موسكو، بل أبدى الوزير البريطاني استنكاره الشديد لسعي واشنطن لفرض عزلة دولية على روسيا.
الآن روسيا هي التي تعيد نظرها في التعاون مع حلف الناتو، ولهذا سارعت بإعلان قرارها بوقف التعاون معه ووقف نشاطها في لجنة «روسيا ـ الناتو»، وهو القرار الذي شكل صدمة للدول الكبيرة أعضاء الحلف وربما لواشنطن أيضا، وربما جعلهم هذا القرار يندمون على تسرعهم بإدانة روسيا، عليهم الآن أن يبحثوا عن من سيساعدهم في ورطتهم الكبيرة في أفغانستان.
كاتب ومحلل سياسي روسي