أحد أهم الإخفاقات في الذهنية العربية هو أنها تعلي «الشخص» على حساب «الفكرة» دوما. يترجم هذا نفسه في غياب المؤسسة وما يرتبط بها من تقاليد مثلا. فالمؤسسات أيا كان نوعها في المجتمعات العربية تبقى رهنا بالأشخاص أكثر من التقاليد أو الفكرة التي تقوم عليها.
تعكس هذه السمة الذهنية نفسها في الطريقة التي يتعامل فيها العرب دوما مع الواقع الراهن والطموح المستقبلي في أي ميدان وكل أشكال الإدارة، من الإدارة اليومية إلى الإدارة السياسية.
فالمكتسبات أيا كانت تبقى دوما رهنا بالأشخاص الذين أحدثوها. وعندما يأتي من يخلفهم في مكانهم، من النادر أن يقوم هؤلاء بالبناء على المكتسبات التي أحدثها أسلافهم، لهذا يكتسب التاريخ العربي دوما صفة القطيعة بين المراحل وليس النمو الطبيعي، وفي الغالب تأخذ هذه القطيعة شكل تقلبات شديدة أو مراوحة بين التقدم والردات.
سياسيا، يتبين التأثير جليا في انتقال السلطة في البلدان العربية وغياب التقاليد المؤسسية في العمل السياسي وغياب النمو الطبيعي والتقلب الشديد في السياسات وبناء المواقف.
تعود هذه المظاهر كلها إلى تأثير الأشخاص الطاغي عندما يتعلق الأمر برسم السياسات، وفي وجهها المقابل، فإن تحديد المواقف حيال القضايا والتطورات يعلي دوما من تأثير الأشخاص والراهن أكثر مما يبنى على الفكرة والمصلحة والرؤى البعيدة المدى. فالمواقف يتم تحديدها بناء على مقاييس ترتبط بالأفراد، سواء كانوا منافسين أو خصوما أو أصدقاء مفترضين أو أعداء مفترضين أيضا.
ليس أفضل من الانقسام السائد في الساحة الفلسطينية بين حركتي «فتح» و«حماس» لكي يقدم أفضل نموذج لهذه العلل في الذهنية العربية.
في الإطار العام، فإن الشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة تحرر وطني، أي من أجل التحرر من الاحتلال ونيل حقوقه المشروعة في الاستقلال ضمن دولة مستقلة على ترابه الوطني. الفكرة المركزية هنا أن الانقسام والاحتراب الداخلي يصيب الفلسطينيين في مقتل ويمثل ضررا بالغا بنضالهم الوطني. والخلاصة المنطقية هنا أن «الاحتراب الداخلي» أمر يتعين تفاديه بل محرم ولا يخدم سوى أعداء الشعب الفلسطيني ويتعين عدم الانزلاق اليه.
في مقابل هذه الفكرة المركزية، ثمة فكرة مركزية أخرى يتعين إدراكها بقوة: «إسرائيل تبذل كل ما في وسعها لمنع قيام دولة فلسطينية».
اذا ما وضعت هاتان الفكرتان المركزيتان مقابل بعضهما فإن إحدى الاستنتاجات المنطقية الجوهرية هي «أن الاحتراب الفلسطيني» يخدم الهدف الإسرائيلي بمنع قيام الدولة الفلسطينية.
لكن كل ما جرى منذ العام 2005 على الأقل وصولا إلى سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة الصيف الماضي، تقود إلى خلاصة وحيدة هي ان التفكير المنطقي ضمن هاتين الفكرتين منتفي تماما بل معدوم.
وثمة سؤال قد لا يلتفت إليه الكثيرون: لماذا حدث هذا الانزلاق نحو الاحتراب الأهلي بعد غياب الرئيس الراحل ياسر عرفات وفي عهد أبو مازن؟
أيا كانت الحجج، ثمة عنصر حاسم في تحديد المواقف لكنه للأسف سيقودنا من جديد الى العامل الشخصي بعيدا عن الفكرة. الفكرة هي نفسها، وهي أن الفلسطينيين سواء في المرحلة التي قادها الراحل عرفات أو التي يقودها الآن أبو مازن: النضال من أجل الاستقلال. فالبرنامج السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية لم يتغير، لكن المواقف تغيرت بشكل كبير انزلقت معه الأطراف الفلسطينية الفاعلة إلى مستنقع الاحتراب.
إن أحد أهم الحجج التي تطرح هنا هي ان ابومازن يختلف عن عرفات. هذا صحيح بل طبيعي، وفي التفصيل الأكثر عمقا، فإن أبو عمار كان يؤمن بتكامل النضال السياسي مع العمل المسلح على العكس من أبو مازن الذي لا يؤمن إلا بالعمل السياسي فقط. على هذا، فإن قادة حماس الذين يعرفون هذا جيدا لم يقدموا على تصعيد الخلافات مع أبو عمار إلى حد التصادم، بل أنهم في أكثر من مناسبة أكدوا علنا أن عرفات هو الرئيس الفلسطيني وقائد الشعب الفلسطيني.
إلى أي مدى يصح هذا الحكم؟ أعني في وضع فارق بين الرجلين حيال إيمان كلا منهما بتكامل العمل السياسي مع العمل المسلح..؟ هل يمكن الحكم بكل هذا التبسيط بأن أبو مازن الآتي من نضال طويل متنوع الأدوات خاضته منظمة التحرير الفلسطينية على مدى عقود طويلة لا يؤمن بمثل هذا التكامل بين النضال السياسي والنضال المسلح؟
المؤسف أن هذا الرأي حول اختلاف الرجلين يقدم مثل الحجة القاطعة، لكنه مبني مثلما نرى على تقييم الشخص على حساب الفكرة المركزية هنا: الوحدة الداخلية الفلسطينية، الحصانة حيال الاحتراب الأهلي.
ولأن فكرة مثل هذه تتطلب ما هو أكثر من البلاغة الخطابية، فان مثال تفجيرات شاطئ غزة الأخيرة وتداعياتها توضح بجلاء المدى الذي يمكن أن يصل إليه الالتفات عن الفكرة لصالح التشخيص.
وإذا ما أخذت هذه الحادثة مثالا، فإن التعامل مع الفكرة المركزية هنا انحرف بشدة. كيف كان يمكن أن تكون الفكرة (تفادي الاحتراب) هي المقياس الأساسي للتعامل مع تفجيرات الشاطئ؟ لنرى الاحتمالات فيمن يقف وراء التفجير:
عناصر منفلتة من حركة فتح.
عناصر محلية تريد إشعال الوضع.
عملاء لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
عناصر من فتح.
عناصر من تنظيمات أخرى.
ثأر شخصي (رغم أن الاحتراف العالي في تنفيذ الجريمة يبعد هذا الاحتمال).
مع كل هذه الاحتمالات، فإن الغاية المرجوة من الاغتيال واحدة، إشعال الاقتتال بين التنظيمين. الآن فقط يمكن أن ينظر إلى خطوة الاعتقالات التي تلت التفجير بأنها خطوة وقائية ولربما أن التهدئة جاءت نتيجة لمراجعة الحسابات، لكن التحكم في ردود الفعل حيال عمليات كهذه ليس مضمونا دوما.
نفس الاحتمالات السابقة ترتب على حركة «فتح» مسؤوليات أيضا من نفس المنطلقات أيضا، أي التعامل مع الفكرة المركزية لا مع الأشخاص ولا منطق الثأر.
كاتب وصحافي بحريني