منذ أيام قليلة، وبعد أن رفضت رئيسة الحكومة الأوكرانية الامتثال لقرار الرئيس يوشينكو بمنع عودة سفن الأسطول الروسي ـ التي ضربت حصاراً على المياه الإقليمية الجورجية ـ إلى قاعدتها في ميناء سيفروبول الأوكراني، ولزمت الصمت إزاء الصراع الروسي ـ الجورجي في القوقاز، اتهم مكتب الرئيس فيكتور يوشينكو رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو، بارتكاب جريمة خيانة كبرى، وجرائم أخرى تتعلق بالفساد السياسي.

ويبدو واضحاً الخلاف الحاد بين حلفاء الأمس حول الموقف من روسيا، حيث إن يوشينكو ومنذ بداية الصدام الروسي ـ الجورجى سارع للإعلان عن مساندته لوحدة الأراضي الجورجية وحكومة جورجيا المنتخبة ديمقراطيا برئاسة ميخائيل ساكاشفيلى، بل وتوجه إلى تبليسي عاصمة جورجيا ليشارك في تظاهرة نظمها ساكاشفيلي للتضامن مع نظامه.

وبالرغم من تحركات وجهود الرئيس يوشينكو لإثبات حسن نواياه للناتو والولايات المتحدة، إلا أن قطع الأسطول الروسي وجدت الطريق مفتوحا إلى قاعدتها في ميناء سيفروبول الأوكراني ولم يجرؤ أحد على اعتراض طريقها أو منعها من دخول الميناء، حيث أعلن وزير الدفاع يوري يخانوروف، أن أوكرانيا لن تعيق عودة سفن أسطول البحر الأسود الروسي التي شاركت في عملية الإرغام على السلام (إرغام جورجيا على السلام) إلى سيفاستوبول.

ويبدو واضحاً أن الصراع قد احتدم بين حلفاء الأمس وقادة الثورة البرتقالية في أوكرانيا، ما يهدد بانهيار الائتلاف الحاكم، وذلك على أعتاب انتخابات الرئاسة التي ستجرى في ربيع العام القادم.

وطالما كان الرئيس يوشينكو الحلقة الأضعف في الصراع السياسي الدائر على الساحة السياسية الأوكرانية، وقد حاول الاستفادة من التناقضات بين مختلف القوى السياسية للبقاء في منصب الرئاسة، إلا انه فقد كل حلفائه، وأخيراً فقد حليفته الاستراتيجية يوليا تيموشينكو التي قادت معه الثورة البرتقالية.

ويصعب القول ان اتفاقا سريا قد عقد بين تيموشينكو وموسكو، لأن رئيسة الوزراء لا تتبنى اليوم برنامجا مغايرا، فهي تسعى لحصول أوكرانيا على عضوية حلف الناتو، والانضمام للبيت الأوروبي، إلا أنها تأخذ بعين الاعتبار تأثير روسيا والعلاقات الروسية ـ الأوكرانية ليس فقط على الاقتصاد الأوكراني وإنما على التركيبة الجيوسياسية.

أن ارتباط مصالح أوكرانيا بالغاز الروسي وبالأسواق الروسية التي تستقبل المنتجات الأوكرانية، بالإضافة لحرص أقاليم شرق أوكرانيا على العلاقات مع روسيا.. كل هذه الحقائق عوامل لابد وأن تؤخذ بعين الاعتبار، وتجاهلها لابد وأن يقود البلاد لأزمة اقتصادية وسياسية، بل ويمكن أن يهدد بانقسام البلاد إلى شرق وغرب.

وإصرار الرئيس الأوكراني يوشينكو على تجاهل هذه الحقائق يعود بالدرجة الأولى إلى محاولاته للاعتماد على دعم الغرب له في الصراع السياسي الداخلي بعد أن تقلص نفوذه السياسي وقاعدته الشعبية في أوكرانيا، فيما أدى إلى توسع قاعدة المرأة الحديدية تيموشينكو الشعبية وزيادة عدد أنصارها، لمراعاة هذه العوامل حتى تتمكن من الفوز بمقعد الرئاسة في انتخابات الرئاسة القادمة.

ولابد من التساؤل حول اتجاهات دعم موسكو للمرشحين لرئاسة أوكرانيا، فإذا قررت روسيا مواصلة دعمها لزعيم حزب الأقاليم حليف موسكو السابق يانكوفيتش فلابد أن تأخذ بعين الاعتبار انه لم يتمكن خلال المعارك الانتخابية التي شهدتها أوكرانيا على مدار السنوات الماضية من تحقيق انتصارات ذات أهمية.

ويتردد في الشارع الأوكراني منذ أزمة الانتخابات الرئاسية عام 2004 أن يانكوفيتش لا يصلح لمنصب الرئاسة نظرا لتاريخه الجنائي، من جهة أخرى تتمتع يوليا تيموشينكو بشعبية في أوكرانيا، ولكنها لن تكون حليفاً استراتيجياً لموسكو، ولكنها ستراعى مصالح روسيا، والعلاقات بين البلدين.

بعبارة أخرى أمام موسكو خيارين صعبين، كلاهما لا يحمل في طياته تحالفاً استراتيجياً بين البلدين، ولكنه سيجعل الكرملين مضطراً إلى الخيار على أساس أقل الخسائر، وإيقاف الزحف الغربي نحو حدوده.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru