تطلق العرب على الأعوام التي تتميز بأحداث استثنائية أسماء تستبقيها في الذاكرة، كعام الفيل وعام الرمادة وعام الطاعون وهكذا، ولو استعرنا هذا التقليد للعصر الحديث الذي تسلط التضخم على كل شيء فيه، حتى صار اليوم بقيمة عملة الزمن الحالية كساعة والأسبوع كيوم والشهر كأسبوع والسنة كشهر؛ فإن التقليد المناسب سيستدعي إطلاق الأسماء على العقود وليس الأعوام، ولجاز لنا بعد ذلك نحن المسلمين أن نطلق على أول عقود الألفية الثالثة «عقد القربان».
لأن أمتنا بلا استثناءات سيقت أمام البشرية قربانا لخطيئة الإرهاب التي لم تقترفها أيدينا، وجرى ذبحنا على منحر التاريخ وتقطيع أشلائنا في صمت، لأن القرابين لا تستحق الرحمة، ولا يحق لها أن تتكلم أو أن تمنح فرصة الدفاع عن نفسها.
ولولا أن أميركا لها تعريفها الخاص للإرهاب، وهذا التعريف هو الذي وضع المسلمين في قلب العاصفة، لكانوا كغيرهم من الأمم مجرد متفرجين لا قرابين، ولما كان يعنيهم من أمر الإرهاب إلا ما يهدرون به أوقاتهم وهم يتابعون على وسائل الإعلام نشرات الأخبار المشبعة بالكثير من التلفيق وأقل القليل من الحقيقة؛ ولكن ذلك التعريف الأصولي المتطرف والطرح الإعلامي غير الحيادي هما اللذان سحرا أعين الناس وأظهرا المسلمين كطائفة من البشر احترفت الإرهاب كجزء من طقوسها اليومية.
وبنفس أسلوب الخدع السحرية أظهرا شعوبا أخرى حمائم للسلام والديمقراطية مع أن إيقاد نيران الحروب والخوض في دماء الآمنين هو جزء من عقيدتها ومن طقوسها اليومية ومما تلهج به ألسنة سياسييها في كل شاردة وواردة.
ومع أن المسلم المعاصر لا يصلح أبدا أن يعتبر نموذجا مثاليا للفرد المسلم من أي جهة أتيته، سواء من حيث قوة الإيمان والمعتقد أو من حيث استيعاب المفاهيم والقيم الإسلامية الضابطة لحركته الحضارية أو من حيث التطبيق الأخلاقي والسلوكي والفكري؛ كما أن المجتمع المسلم ببناء مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأساليب ممارساتها ومرجعياتها التشريعية هو كذلك مثال في غاية الرداءة للمجتمع المسلم، لكونه لغير الإسلام أقرب منه لأن يكون مجتمعا مسلما؛ ومع أن المسلمين كأمة في هذه الحقبة التاريخية بلا غطاء سياسي واحد يجمعهم، وبلا شوكة يذودون بها حتى عن أرواح أطفالهم وأسوار بيوتهم وشجيرات بساتينهم، وبلا تصور متجدد للنموذج الحضاري الإسلامي باعتباره تحديا استراتيجيا للحضارة المادية.
مع ذلك كله فإن هذه البضاعة الرديئة لم تشفع لا للفرد ولا للمجتمع ولا للأمة المسلمة من حملات الاتهام لدرجة الإدانة بالعمل على تقويض أركان الحضارة والديمقراطية والثقافة الغربية، بل كانت بالنسبة للإعلام المنحاز لدرجة التبلد فريسة سهلة المنال، لأن تلك العناصر كانت كما اشتهى مثالا واقعيا غنيا بالعيوب والنواقص والقصور والمثالب والانحرافات والأخطاء والتخلف والتزمت والجمود.
وكلها أشياء مطلوبة للتدليل على مصداقية الخطاب الإعلامي المغرض، ولاستخدام نموذج الفرد المسلم والمجتمع المسلم رصاصة يصوبها إلى صميم الإسلام للتشكيك فيه كله كدين سماوي، وللقدح فيه كمنهج حياتي وكنموذج حضاري وكتجربة تاريخية.
وبهذا انقشع غبار الإرهاب عن أعتى جبهتين كانتا تتربصان بالمسلمين الدوائر، وكانتا وراء تسخير آلة الإعلام لحشو الرعب والكراهية في أحداق بقية البشر من مخاطر انحراف ذلك النموذج الأخلاقي والفكري؛ الجبهة الأولى كانت أجهزة الاستخبارات التي اخترقت صفوف المسلمين التي أثبتت أنها لم تكن «بنيانا مرصوصا».
وعملت على توظيف خلافاتهم الفكرية وصراعاتهم السياسية وفوارقهم الاجتماعية وانحطاطهم الحضاري مستغلة حالة انعدام الوزن بين الواقع والمنهج، ولم تجد أدنى صعوبة في انتقاء عناصر من بين تلك الصفوف قبلت أن تكون دمى خشبية تحركها خيوط أجهزة الاستخبارات وأصابعها.
الجبهة الثانية كانت طابور المرجفين أو أبواق الليبرالية الغربية من العلمانيين، والتي عمدت إلى إسقاط الحاضر الرديء في الفرد والمجتمع والأمة على المنهج القويم والماضي المزدهر، وأجرت محاكاة غير منهجية وغير موضوعية للتدليل على مقولاتها الفاسدة وآرائها المريضة واستدلالاتها المسروقة من المستشرقين، محاولة بذلك أن تضرب عدة عصافير بحجر واحد، ازدراء الأصل، والتبرؤ من الواقع، والتزلّف لأوثان الليبرالية الغربية استجداء لجائزة أو صيت إعلامي.
ومع ذلك، فإن اللوم كل اللوم يقع على من يتحملون مسؤولية تربية المسلمين وبنائهم الحضاري، من العلماء والدعاة والمصلحين، ففشلوا في حمل الرسالة من عدة أوجه، فالذين استدرجوا منهم إلى فخ العمل السياسي لاستثمار أخطائهم وانحرافاتهم (وكأن سائر السياسيين في العالم هم حواريون للأنبياء) فشلوا إما لأنهم لم يتعلموا فنون اللعبة السياسية فسقطوا في الاختبار التطبيقي أمام الأمة واحترقت كل أوراقهم، وإما لأنهم نسوا رسالتهم الحقيقية وتاهوا في غابة السياسة بحثا عن الجاه والثراء.
أما الذين صمدوا في حلقات العلم والوعظ، فظلوا يدورون حول أنفسهم وكأن تخوم العالم تنتهي عند باب المسجد أو حلقة الدرس، فلم يتعايشوا مع الواقع العالمي، وكل منهم يظن أن الشهادتين مفتاح كهربائي تكفيان وحدهما لصنع مسلم بدرجة صحابي، فلم يعلموا تلاميذهم استخدام الأساليب لبلوغ الغايات، ولم يطوروا لهم أساليب تربوية جديدة تعينهم على تطبيق الأخلاق والسلوكيات، وغاب عنهم كيف أمضى الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثا وعشرين سنة يؤهل أصحابه ويعلمهم ويدربهم على تطبيق الإسلام.
أما هؤلاء فخدروا أنفسهم بالمواعظ القصيرة أو سرد الأخبار أو بذل الفتاوى على الهواء ظنا منهم أن ذلك يكفي لجعل الجالسين صديقين وشهداء وصالحين، بينما معظمهم يخرج من الدرس وهو لا يتقن الاعتناء بنظافة ثوبه وبدنه ولا أدب التعامل مع الناس ولا يفقه تربية أهل بيته أو حسن معاشرتهم، ناهيك عن أن يفقه ماذا يدور من حوله في هذا العالم الذي يغلي كالبركان.
وأما الذين «حاولوا»، فقد وقعوا بين مطرقة رائحة القضبان الصدئة، فلم تجرؤ ذبذبات صوتهم على تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء التي كانت تطوقهم وتكمم أفواههم، وبين سندان القوالب التراثية التي حصروا أنفسهم في داخلها، دون أن يغامروا بمحاولة التطوير الذاتي والاستفادة من تقنيات العصر، فعجزوا عن مجاراة إيقاع الواقع المتمرد.
وعجز خطابهم الديني عن إتقان اللغة التي يفهمها ذلك الواقع ويتفاعل معها، فلم يجتذب إلا عوام الناس، أما الطبقة المثقفة في المجتمع المسلم التي لم يحرك هذا الإغراء الباهت فيها ساكنا، وتقززت من مخالطة أولئك البسطاء وأصحاب اللحى والأثواب القصيرة، فقد طارت بها أجنحة الخيلاء نحو نيران الثقافة الغربية المتوقدة.
كاتب إماراتي