أزور للمرة الثالثة تايلاند، وبين المرات الثلاث ثمة فواصل زمنية تجعل المرء قادراً على ملاحظة التغيرات وقياسها، إن هي للأسوأ أم للأفضل، فتلك الزيارات الثلاث تحتضن ربع قرن من الزمان، ابتدأت في العام 1982 ثم كانت الزيارة الثانية بفسحة لا بأس بها من السنوات (1995) أما الأخيرة فهي هذه الأيام.
حيث أقضي ببانكوك إجازة قصيرة. والحق، أن هذا المدى الزمني الممتد لربع قرن قد منحني القدرة على القول دون تردد إن تغيرات جمة قد حدثت في هذا البلد، وهي تغيرات للأفضل بالطبع، لعل أبرزها تخلص مدينة بانكوك من قدر كبير من التلوث الذي كان يلفها، والذي كان يجعل المرء غير قادر على التجول في شوارعها!!
أما ما أشاهده هذه الأيام فهي صورة مختلفة عما علق في ذهني، فبات جو بانكوك مقبولاً، وهذه عملية ليست سهلة في مدينة يقطنها الملايين وبها الآلاف المؤلفة من السيارات والعربات والدراجات البخارية!! وغدت شوارعها أيضاً أقل ازدحاماً من ذي قبل بفضل شبكة حديثة من الطرق السريعة التي تشمل مختلف نواحيها.
لا تتوقف الحياة في نهر شاو بريا الذي يقطع المدينة إلى قسمين، بيد أنها تقوى مع نسمات الصباح الباكر، فهذا النهر يستخدم لتنقل أهل المدينة فضلاً عن استخدامه لنقل البضائع ومواد البناء ومنتجات المصانع.
غير أن هذا النهر الذي ينبع في شمال الأراضي التايلاندية والذي كان طريقاً رئيسياً للتجارة منذ نشأة مملكة سيام في القرن الثالث عشر للميلاد، أخذ يفقد أهميته، لتحل محله شبكة طرق حديثة وسريعة تستفيد من موقع تايلاند المميز في التجارة الدولية. إذ من المعروف أن تايلاند تتحكم في الطريق البري الذي يربط بين آسيا، بالذات فيتنام والصين وبين كل من ماليزيا وسنغافورة.
ولهذا النهر قنوات عديدة تخترق بانكوك، وعليها تقوم حياة كاملة لملايين من البشر، تصلهم المياه العذبة والكهرباء، والبريد الذي يتم توزيعه بواسطة القوارب، حيث يقود ساعي البريد قاربه وسط هذه القنوات باحثاً عن العناوين التي يريد إيصال الرسائل لها دون أن يغادر قاربه!!
وال65 مليوناً أو أكثر قليلاً الذين يشكلون عدد سكان المملكة ينتمي معظمهم إلى عرق التاي (75%) أما الباقي فهم من الصينيين وغيرها من الأعراق. وغالبيتهم تدين بالديانة البوذية، التي تنتشر معابدها الفخمة في كل أرجاء المملكة وتحوي بانكوك العديدة منها.
وثمة أقلية مسلمة تعيش في جنوب البلاد بشكل رئيسي، حيث تندلع أعمال العنف بين فترة وأخرى نتيجة لمطالبة البعض منهم بالانفصال!! وعلى العموم، فأهل البلاد متسامحون دينياً بطبعهم، ولا يضعون الاختلاف الديني عقبة أما اندماجهم وامتزاجهم الوطني وتعايشهم كمواطنين لبلاد واحدة.
وقد تعافت تايلاند من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بعموم منطقة جنوب شرق آسيا في عامي 97 ـ 1998، وها هي ذا تحقق معدلاً للنمو يفوق 5,4% وتفوق قيمة صادراتها قيمة وارداتها كثيراً ليرتفع معدل الصادرات إلى 12% في السنة الفائتة، ولتصل مجموع قيمها إلى 151 مليار دولار في حين أن وراداتها لم تتجاوز 125 مليار دولار.
يأتي النفط على رأسها والتي تزداد فاتورته بزيادة سعر البرميل منه. فإنتاجها البالغ حوالي 310 آلاف برميل في اليوم لا يكفي استهلاكها الذي بات يضاهي المليون برميل يومياً. وهذا ينطبق على الغاز الطبيعي أيضاً الذي أنتجت منه أكثر من 22 مليار متر مكعب في العام 2005 بينما كان استهلاكها يفوق الثلاثين مليار متر مكعب.
وتحظى تايلاند بقوة عمل تربو على الأربعين مليوناً، وهي قوة عمل متعلمة ومدربة يعمل نصفها تقريباً في الزراعة وأربع عشرة منها في الصناعة والباقي في الخدمات. وتشتهر تايلاند بزراعتها للأرز، وهي من المصدرين الرئيسيين له، وتأخذ هذه الزراعة أهمية كبيرة هذه الأيام مع تصاعد أسعار المواد الغذائية، وتحاول بعض الدول الخليجية كالكويت الاستثمار في هذا القطاع بالاتفاق مع الحكومة التايلاندية. ولعل مصادرها الطبيعية المتنوعة أتاحت لها إمكانية التطور في المجال الزراعي والصناعي وأيضاً السياحي.
فأراضيها التي تغمر بمياه الأمطار الاستوائية هي البيئة المثالية لزراعة الأرز، وغاباتها الكثيفة التي تشمل أشجار جوز الهند والمطاط والموز وغيرها هي مصدر للأخشاب فضلاً عن الاستفادة من ثمارها.
وتشتهر تايلاند بصناعتها النسيجية وبالتحديد صناعة الحرير الفاخر فضلاً عن صناعة الأحجار الكريمة، وهاتان الصناعتان من الصناعات التقليدية ومن ميراث الماضي، أما الصناعات الحديثة فتتراوح بين تجميع الكمبيوتر والسيارات وقطع غيارها إلى صناعة الأثاث وغيرها.
ولا ننسى قطاع السياحة فيها الذي تأثر كثيراً بالتدمير الذي أحدثه إعصار تسونامي الذي ضرب شواطئها في العام 2004 وبالتحديد المدينة السياحية الساحلية (بوكيت). بيد أن هذا القطاع استطاع أن ينهض بعد مدة قصيرة، وهو يستقطب أساساً الأوروبيين الباحثين عن جو دافئ وأسعار معقولة.
وتساعد طبيعة تايلاند المتنوعة صناعة السياحية، فهي تمتلك شواطئ ممتدة بمئات الكيلومترات فضلاً عن مناطق جبلية في الشمال إضافة إلى مدينة بانكوك، التي تعتبر معلماً سياحياً.
يقيناً أن تايلاند لم تصبح إلى الآن نمراً يضاهي النمور الآسيوية الأخرى، إلا إنها بلا شك شبل ينمو سريعاً.
كاتب كويتي
