تشكل دول الحزام الإسلامي الكبرى تركيا وإيران وباكستان عمقا استراتيجيا طبيعيا للأمن القومي العربي، وهناك تأثير متبادل بين الجانبين لعناصر القوة والضعف، والاستقرار والاضطراب، والحرب والسلام.

حيث يؤثر ما يجري في المنطقة العربية على الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة الإسلامية والعكس صحيح، بحكم العلاقات والروابط الجبرية الجغرافية والتاريخية والثقافية وحتى الاجتماعية على مستوى الشعوب.. من هنا يأتي اهتمامنا بما يجري في تركيا وإيران وباكستان، وبإزالة أسباب أية توترات سياسية أو أمنية وإيجاد الحلول لأية مشكلات أو مسائل عالقة بين المنطقتين الحيويتين.

في هذا الحزام الإسلامي الشمالي للوطن العربي، لعبت الدبلوماسية التركية التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الدول العربية والأوروبية دورا ديناميكيا متناميا، فاعلا ومؤثرا خلال العقد الأخير لا في مجالها الإقليمي فقط وإنما أيضا في المجال الدولي، وفى هذا الصدد يذكر العرب الموقف الحازم للبرلمان التركي برفض السماح لأميركا باستخدام القاعدة الأميركية فيها للعدوان على العراق.

وآخر المشاهد المهمة في هذا الإطار الدولي هي القمة التركية الأفريقية في إطار منتدى التعاون الاقتصادي التركي الأفريقي التي عقدت في اسطنبول يوم الخميس الماضي حيث استقبلت تركيا ممثلي خمسين دولة أفريقية على مستويات مختلفة وكان في مقدمة الزعماء الأفارقة المشاركين الرئيس السوداني عمر البشير الذي يتعرض لحملة استهداف غربية والذي ألقى كلمة في الجلسة الافتتاحية، وتضع هذه القمة تركيا على مستوى الصين وفرنسا بعد أن قررت القمة الأفريقية منح تركيا وضع الشريك الاستراتيجي.

تركيا العلمانية التي تحتفظ بعلاقات ممتازة مع جارتيها القريبتين سوريا العربية في الجنوب وإيران الإسلامية في الشرق، استقبلت مؤخرا الرئيس السوري بشار الأسد بينما تقوم بدور الوساطة ورعاية المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل.

كما تقوم بدور للتقريب في المواقف بين إيران والغرب في مسألة الملف النووي الإيراني، واستقبلت الأسبوع الماضي الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وأكدت حق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي وليس عسكرياً.. وتركيا التي ترتبط بعلاقات تاريخية وثقافية مع دول آسيا الوسطى والقوقاز بادرت للقيام بدور لحل أزمة الحرب الروسية الجورجية.

وقام رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان بزيارة إلى موسكو لا للوساطة فقط بل للدعوة لمشروع تركي لاتحاد دول القوقاز ثم قام بزيارة للعاصمة الجورجية تبليسي، واستبق الرئيس التركي عبد الله جول هذه الزيارة بتصريح صحافي أكد فيه أن النزاع الجورجي الروسي قد كشف عجز الأحادية الأميركية عن توجيه العالم، داعيا إلى نظام دولي جديد لا يقوم على الأحادية القطبية وإنما على تعدد المراكز لتوجيه شؤون العالم .

وبينما كان أردوغان في موسكو رفضت تركيا العضو في الحلف الأطلسي في موقف لافت التصريح للسفن الأميركية المحملة بمساعدات لجورجيا بالمرور من مضيقي البوسفور والدردنيل للعبور من البحر الأبيض إلى البحر الأسود (لعدم مطابقة الحمولة لمواصفات العبور).

فيما تعرض خط أنابيب النفط الذي أقامته الشركات البريطانية والأميركية والإيطالية والفرنسية القادم من العاصمة الآذرية باكو مرورا بالعاصمة الجورجية تبليسي إلى الميناء التركي جيهان لمد أوروبا بالبترول للتفجير للمرة الثانية هذا العام مما اضطر تركيا إلى إغلاقه مؤقتا، وكان التفجير الأول في خط الغاز الموازي في مارس الماضي.

تركيا جول وأردوغان اتخذت من المواقف الدولية المتوازنة والمبادرات والوساطات ما أهلها للقيام بدور الجسر السياسي لا بين الشرق والغرب فقط بل أيضا بين الشمال والجنوب.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com