منذ توليه سدة الحكم قبل أكثر من عام سعى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى وضع بلاده تحت ضوء السياسات الدولية الفاعلة مستنداً إلى شخصيته الحازمة والكاريزمية التي لطالما أثارت الكثير من الجدل.

فاستهل مشوار حكمه بإجراء العديد من الإصلاحات الداخلية التي أثرت في حياة الكثيرين من أبناء شعبه وانطلق بعدها عازماً على إعادة المجد القديم للإمبراطورية الفرنسية إنما من زاويةٍ أخرى هذه المرة وهي زاوية الانفتاح على الآخرين وإزالة سوء الفهم مع حلفاء بلاد النور.

قادته رحلاته الخارجية إلى واشنطن التي ألقى فيها خطاباً في الكونغرس كان الأول لرئيسٍ فرنسي وصف فيه الولايات المتحدة بالصديق والحليف مذكراً بدعمها بلاده خلال حقبة الاحتلال النازي.

ومن ثم يمم وجهه شطر بلدانٍ عربية امتدت من صحاري المغرب العربي إلى شواطئ الخليج العربي مروراً ببلاد الشام قبل أن يطلق مشروعه الكبير «الاتحاد من أجل المتوسط» الذي أشار إليه بأنه حلمه الأزلي في أن يجمع ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية كما استطاع قبلها أن يعيد الدفء إلى ضفتي الأطلسي.

إذن، بدا ساركوزي سياسياً نشطاً ودبلوماسياً محنكاً في سعيه إلى دفن الفكرة التقليدية السائدة عن انعزال فرنسا في محيطها الفرانكفوني ليطير ببلاده نحو فضاءٍ أوسع من العلاقات الدولية استطاع من خلالها استغلال الغياب التام للإدارة الأميركية على حلبة النزاعات وانشغال بلاد العم سام في انتخاباتٍ هي الأكثر ضجيجاً في تاريخها عدا عن مرور الحراك السياسي البريطاني بحالة من الفتور التقطها الرئيس الفرنسي بذكاء ليسجل أهدافاً عديدة في الوقت الضائع في مرمى واشنطن ولندن.

وأتت الأزمة الأخيرة في القوقاز ونقاط ساركوزي الست التي أرست دعامة اتفاق وقف إطلاق النار لتؤكد وجود فرنسا الثابت أكثر فأكثر في المعادلة السياسية.

ولهذا فهم الكثيرون استهداف المسلحين المتشددين للجنود الفرنسيين العاملين في أفغانستان في عمليةٍ هي الأكبر منذ سنوات واستثناءهم للقوات الأميركية والبريطانية كما دأبوا عادةً، بعد أن طفا للسطح دور باريس القوي على الساحة الدولية وقدرتها على إخماد النزاعات والخلافات في مشارق الأرض ومغاربها. ما اضطر ساركوزي إلى التوجه إلى كابول ليرسل رسالةً لا لبس فيها من هناك أن لا تأثير ممكناً على بلاده مهما كان الثمن، وليدعو جنوده إلى «النهوض» كما نهض هو ببلاده من سباتها كطائر العنقاء.