ليس من أجل »سواد عيون« جورجيا ولا من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان أو عن حق السيادة »المصون« تحتدّ لهجة الاحتجاج الغربي عامة، والأميركي خاصة، ضد العمليات العسكرية الأخيرة في جنوب القوقاز. لكن ما وراء السمة المحلية لهذه المواجهات هناك عملية »ليّ ذراع« حقيقية بين واشنطن وموسكو تتجاوز كثيراً المستوى المحلّي.

وليس من المبالغة كثيراً القول إن اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وحتى جورجيا نفسها، قد غدت على الهامش كي تبرز الأسئلة الحقيقية التي كانت حاضرة باستمرار »خلف الواجهة«.

إنها الأسئلة الخاصة بتوسيع إطار الحلف الأطلسي في محاولة لفرض نوع من الحصار »النووي « على روسيا. وهذا يعني بكل بساطة الدخول في »منطق الحرب الباردة« »سلام بارد« كما تردد على لسان بعض القادة الروس في الحقبة ما بعد الشيوعية.

جورجيا مهمة للأميركيين الذين استثمروا فيها مبالغ مالية هائلة وبذلوا أقصى الجهود واستعملوا مختلف الوسائل كي يدفعوا أحد »أصدقائهم المخلصين«، ميخائيل ساكشيفيلي، إلى المنصب الرئاسي في البلاد.

هذا الاهتمام الأميركي يندرج واقعيا في إطار رؤية إستراتيجية أميركية أطلسية، أولا وأساسا، ترمي إلى تعزيز المواقع في مواجهة روسيا الصاعدة في منطقة تمتد من أفغانستان حتى شواطئ البحر الأسود مرورا بآسيا الوسطى للتذكير كانت هذه المنطقة ذات يوم مضى موضوع تنافس كبير بين إمبراطورية التاج البريطاني وقياصرة روسيا.

صحيح أن العلاقات بين روسيا وجورجيا لم تكن أبدا سهلة منذ أن أصبحت هذه الجمهورية السوفييتية السابقة دولة مستقلة عام 1991.

لكن فهم ما يجري اليوم ربما يستدعي العودة »قليلا« إلى الوراء ومحاولة فهم السياق الذي قررت فيه روسيا خلال خريف عام 2006 »تعليق« كل أشكال الاتصال الجوي والبري والبحري مع جورجيا التي كانت قد أعلنت عن »اعتقال« أربعة ضباط روس بتهمة »التجسس« بغرض الحصول على معلومات حول تعاون جورجيا مع الحلف الأطلسي. كانت جورجيا قد أعلنت بعد »ثورتها الزهرية« عام 2003 ووصول ميخائيل ساكشفيلي إلى السلطة عن إرادتها في الانضمام إلى الحلف الأطلسي بــ »أسرع وقت ممكن«.

لم تتأخر الاستجابة الأطلسية عبر زيادة كل أشكال التعاون مع جورجيا؛ وخاصة عبر تقديم الوعود المرحّبة لانضمامها إلى الحلف الأطلسي. هذا خاصّة أن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن إعداد »الطبخة الجورجية« بنسختها الحالية.

رأى الروس في التقدّم الأطلسي صوب حدودهم مصدر »تهديد كامن« خاصة أنه يأتي في سياق متأزم في العلاقات الروسية ـ الأطلسية بعد توسيع إطار الحلف عام 1999 عندما انضمّت هنغاريا ـ المجر ـ وتشيكيا الأعضاء سابقا في حلف وارسو إلى الحلف الأطلسي ثمّ تبعتها في عام 2004 بلدان البلطيق مما عنى وصوله إلى البحر الأسود.

انضمام هذه الدول كلّها قبلته روسيا »على مضض« باعتبار أنها تنتمي في نهاية المطاف إلى المجال الجغرافي الأوروبي وكان الاتحاد السوفييتي قد »ضمّها« في بداية عقد الأربعينات الماضي . لكن الأمر مختلف بالنسبة لجورجيا وأوكرانيا إذ كانتا جمهوريتين سوفييتيتين »تاريخيا« وفي »الخاصرة الروسية« جغرافيا.

لم تبحث الولايات المتحدة عن »تهدئة« اللعبة بل سعت إلى تأكيد حضورها بل »زعامتها« في أوروبا عبر الحلف الأطلسي. للتذكير فقط كان الحلف الأطلسي قد قام، كما هو معروف، في منظور »التصدّي« لحلف وارسو. هذا الحلف »سقط« عام 1991 بعد سقوط المعسكر الشيوعي . لكن بدلا من حلّ الحلف الأطلسي بعد زوال »علّة وجوده« تعزز وتقوّى على قاعدة الإرادة الأميركية.

بالتأكيد لا تتعلق المسألة بــ »شن هجوم« على روسيا صاحبة أحد أهم الترسانات النووية في العالم. ولكن ضرب نوع من »الطوق« حولها بحيث يتم الحدّ من قدرتها على الحركة ولعب دور فاعل في مناطق ذات أهمية إستراتيجية على صعيد الطاقة وصولا إلى الشرق الأوسط.

الملفت للانتباه هو أن هذا التوجه الأميركي يأتي بعد إنشاء »مجلس الحلف الأطلسي ـ روسيا« في شهر مايو من عام 2002 والذي يضم البلدان الأعضاء في الحلف وروسيا كــ »شركاء متكافئين« مع تحديد مهمته في البحث عن سبل »تحسين التعاون المشترك« وبحث المسائل »الراهنة« المتعلقة بالأمن الدولي و»إدارة الأزمات«.

الروس لم يكتفوا من جهتهم بإعلان معارضتهم للتوجه الأميركي ـ الأطلسي بل حددوا ما يشبه خطوط »المقاومة« التي تشمل مناطق تتناظر تقريبا مع حدود الاتحاد السوفييتي السابق وأطلقوا عليها تسمية »الغريب القريب« أو »العالم الخارجي القريب«.

ومهما يكن من أمر هذه التسمية فالمقصود هو مناطق »المصلحة الحيوية الروسية«. إن جورجيا وأوكرانيا مشمولتان، أولا وأساسا، في محيط »خطوط المقاومة الروسية«.

ومن الصعب على روسيا قبول أن تصبحا »محميتين« عسكريتين للحلف الأطلسي؛ ولا شك أنها سوف تلجأ إلى استخدام جميع الوسائل المتاحة لديها من أجل منع ذلك. ومن هنا يمكن »فهم« عنف الرد الروسي على الهجوم العسكري الجورجي »غير المفهوم كثيراً« ضد اوسيتيا الجنوبية يوم 8 أغسطس الجاري.

بالمقابل تكفي عودة سريعة إلى التحرّك الأميركي خلال الأشهر الأخيرة وإلى تصريحات المسؤولين الأميركيين وعلى رأسهم السيدة كوندوليزا رايس أثناء زيارتها إلى تبليسي، العاصمة الجيورجية في شهر يونيو الماضي واتهامها موسكو بالتحضير لــ »شن حرب قريبة« على جورجيا لملاحظة أن الإدارة الأميركية أرادت أن تلعب دور »رجل الإطفاء الذي يولع الحريق«. لقد قامت الحرب بالفعل، لكن بمبادرة جورجية من الصعب تصوّر أن واشنطن كانت قد »فوجئت« بها.

في مثل هذه الأجواء ترتفع حدّة اللهجة بين الغربيين، خاصة الأميركيين، والروس مع تأكيدات وزراء خارجية ورؤساء بلدان الحلف الأطلسي بــ »عدم السماح« لروسيا منع جورجيا، أو غير جورجيا من الدول ذات السيادة، من الانضمام إلى الحلف الأطلسي.

لكن لا بد من التذكير هنا مرّة أخرى بوجود تباين في المواقف داخل »البيت الأوروبي« نفسه حيال روسيا وتباين في المواقف أيضا بين أوروبا والولايات المتحدة التي قامت بحملة نشيطة ومبرمجة لــ »التسريع« بانضمام جورجيا إلى الحلف الأطلسي. وهذه التباينات مرشّحة للتعمق بعد الحرب الأخيرة في جنوب القوقاز رغم ما تبديه »الواجهة« من مواقف »متناغمة«.

لا شك أنه من الصعب »سياسيا«، إن لم يكن من المستحيل، على الحلف الأطلسي أن يتراجع عن التزام »مكتوب« بترك الباب مفتوحا أمام إمكانية انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى »العائلة الأطلسية«.

لكن ترك الباب »مفتوحا« لا يعني بالضرورة الدخول »حكما«. وروسيا تؤكد أنها لن تسمح بــ »حصارها« وأن »الذين يعتدون على الروس لن يفلتوا من العقاب« كما جاء على لسان الرئيس الروسي ميدفيديف.

بكل الحالات، لعل العالم اليوم يشهد ذروة من التوتر لم تعرفها العلاقات الروسية ـ الغربية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. ولا شك أن القمة الأطلسية المقبلة في شهر ديسمبر المقبل، أي بعد انتخاب رئيس أميركي جديد ستكون ذات أهمية كبيرة في تحديد توجهات العلاقات الأطلسية الروسية في إطار »لعبة دولية كبرى جديدة« لاقتسام مناطق النفوذ ولكن مضافا لها هذه المرّة البعد »النووي«.

كاتب سوري ــ باريس

mohaklouf@yahoo.fr