كيف بعد تسع سنوات من القهر المنظم وتوسيع دائرة البؤس المعيشي بين الفئات الشعبية والعبث بالسيادة الوطنية وسيادة القانون لا يخضع الرئيس الباكستاني المستقيل الجنرال مشرف لمحاسبة قانونية؟ يكفي على الأقل أنه دمر نظاماً ديمقراطياً تعددياً بعد أن استولى على السلطة بالقوة المسلحة معتدياً على المؤسسات الدستورية بعد تعطيل الدستور الديمقراطي نفسه مستغلاً منصبه كقائد للقوات المسلحة.
في تبريره لاستقالته سرد مشرف على الشعب الباكستاني قائمة من «المنجزات» الوهمية من خلال أرقام ملفقة. لكن هيهات أن تقنع هذه التلفيقات ما يراه الناس في باكستان على أرض الواقع.. بما يؤكد لهم أنهم في عهد مشرف فقدوا الخبز والحرية معاً.
على مدى تسع سنوات ظل الشعب الباكستاني يعيش حالة ندرة في السلع الضرورية وفي مقدمتها القمح، مما أدى إلى ظاهرة غلاء سعري لم يعرف لها مثيل في تاريخ البلاد. وإجمالاً ظلت الفئات الجماهيرية تعاني بؤساً يتضاعف ويتصاعد يومياً.
التاريخ السياسي سوف يسجل أن أكبر ما تميز به عهد مشرف هو المشاركة الباكستانية في الحرب الأميركية على «الإرهاب» التي دفعت بالاقتصاد الوطني الباكستاني إلى حافة الإفلاس، علماً بأنها حرب رسخت حالة القهر الاستبدادي في الداخل باسم «ملاحقة العناصر الإرهابية».
ولتبرير التورط العسكري والأمني الباكستاني كان الجنرال مشرف يشير على الدوام إلى «المساعدات» الأميركية دون أن يفصح لشعبه أولاً أنها في حقيقة الأمر ليست مساعدات، وإنما هي قروض تجارية واجبة السداد بأسعار فائدة باهظة تحولت في مدى زمني قصير إلى ديون مهلكة. ومن المؤشرات المثيرة في هذا الصدد أن الاعتمادات المخصصة للمؤسسة العسكرية في الميزانية العامة للبلاد بلغت في عهد مشرف أكثر من 40%.
هكذا كانت خسارة الشعب الباكستاني مزدوجة: قهر أمني وإفلاس اقتصادي. وفي السياق فقدت الدولة الباكستانية سيادتها الوطنية، فقد فرضت الولايات المتحدة سيطرتها على الأجهزة الأمنية الباكستانية إلى درجة أن ضباط مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كانوا في كثير من الأحيان يتولون بأنفسهم عمليات استجواب المعتقلين السياسيين.
ومن قبيل الاستجابة للضغوط الأميركية، حظر نظام مشرف نشاط حركات تحرير كشمير التي تصنفها واشنطن كمنظمات إرهابية. كيف يصحّ إذن ألا يقدّم مشرف إلى محاكمة؟!
