مازالت الحرب في منطقة القوقاز تلقي بتداعياتها الثقيلة على الساحة الدولية، وبات واضحا أن هذه الحرب أحدثت انقساما داخل الرأي العام الأوروبي والأميركي أيضا.

حيث ظهر الموقف الأوروبي المعتدل والباحث عن التهدئة والمتخوف من الخوض في مغامرات مع روسيا لا تحمد عقباها، فقد رفضت الدول الأوروبية الكبرى أي تصعيد في الخلافات مع روسيا معترفين جميعا بأن جورجيا هي التي ارتكبت الخطأ بهجومها على أوسيتيا الجنوبية واستهدافها لقوات حفظ السلام الروسية هناك.

على الساحة الداخلية في الولايات المتحدة ظهر انقسام واضح في الرأي العام الأميركي انعكس بشكل كبير في وسائل الإعلام الأميركية، حيث عبرت شبكة «فوكس» التلفزيونية الأميركية عن استيائها الشديد من موقف منافستها الأميركية « إن بي سي « المنتقد لموقف الحكومة الأميركية تجاه ما يجري في القوقاز، واعتبرت فوكس هذا الموقف من منافستها خيانة للوطن ووصفت شبكة «ان بي سي» بالطابور الخامس الذي يعمل لحساب موسكو داخل الولايات المتحدة.

على صعيد آخر تباينت أراء كبار المحللين السياسيين الأميركيين حول الحرب في القوقاز، واختلفت الآراء بين مؤيد لموقف موسكو ومنتقد لتعامل الحكومة الأميركية مع الأزمة وبين مؤيد لواشنطن، وقال جورج فريدمان المدير التنفيذي لمركز ستراتفور البحثي في واشنطن « إن الروس أقدموا للمرة الأولى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي على خطوة قوية وعدلوا المعادلة لصالحهم في وقت لا يمكن للولايات المتحدة أو غيرها من دول حلف الناتو أن تحارب روسيا أو حتى تدخل معها في خلافات حادة، على العكس فإن واشنطن وحلف الناتو يحتاجان لروسيا الآن أكثر من أي وقت مضى لتساعدهما في أفغانستان «، وقال فريدمان « إن واشنطن أصبحت في وضع لا تملك فيه أن تفعل شيئا مع موسكو والأفضل لها في هذه الحالة أن تلم لسانها وتبحث عن مصالحها مع روسيا ».

وفي أول سابقة من نوعها حذفت قناة «سي بي اس» في التلفزيون الكندي لقطة من مؤتمر صحفي عقدته وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس. وليس معروفا ما إذا تم ذلك بناء على مبادرة من قبل إدارة القناة أم بطلب رايس، ولكن ما بات معلوما هو أن رايس توارت عن شاشة التلفزيون بعدما قال لها أحد الصحفيين في إشارة إلى الرد الروسي على العدوان الذي تعرض له السكان في إقليم اوسيتيا الجنوبية إن «الروس يسعون للدفاع عن مواطنيهم»، وبدا واضحا أن هذا القول أزعج رايس، ثم قطعت قناة «سي بي اس» بث مؤتمرها الصحفي «لأسباب فنية».

على ما يبدو أن واشنطن تعلم جيداً أنه لا يجب تصعيد الأمور مع روسيا ولكن هناك أمورا ومستجدات على الساحة فرضت على الإدارة الأميركية اتخاذ هذا الموقف الشبه حاد تجاه موسكو، ولا نعتقد أن جورجيا هي القضية الأساسية بالنسبة لواشنطن ولكن القضية هي خروج القوة العسكرية الروسية للساحة الدولية بفاعلية وسرعة ونجاح غير متوقع وعدم قدرة الغرب على مواجهته أو إيقافه أو حتى الحد منه، فقد اضطر الجميع لقبول الأمر الواقع وتركوها تستعرض قوتها وتفرض شروطها وتفعل ما تشاء.

ولكن روسيا القوية لم تتمادى في استعراض قوتها، بل على العكس، استجابت موسكو بفاعلية مع المبادرات الأوروبية لحل الأزمة ولم تعترض على الشروط التي وضعها الأوروبيون وقبلت الانسحاب بقواتها.

لا شك أن هذه الحرب ستترك أثارها على الساحة الدولية لفترة طويلة، وربما كما يتوقع الكثيرون أن تغير هذه الحرب من موازين القوى العالمية، حيث وصف بعض المحللين الأميركيين ما حدث بأنه مؤشر قوي على تآكل هيمنة القطب الأوحد الأميركي على العالم، خاصة وأن العودة من دولة مثل روسيا لها خبرة طويلة في سياسات الأقطاب والقوى العظمى، وصاحبة طموحات واستراتيجيات واسعة النطاق.

كاتبة روسية

jannamarat@km.ru