في إحدى حلقات البرنامج الأميركي المشهور «راتشيل»، الذي تبثه قناة mbc4، قدمت «راتشيل» فقرة عن الأطفال الذين يمارسون هواية الطبخ، ويقدمون وصفات بسيطة من ابتكارهم، والتقت فتاة صغيرة لا تتجاوز التاسعة أو الثامنة من العمر كانت قد أرسلت إليها شريط فيديو يصورها وهي تعد أحد أطباقها المفضلة.

والذي لفتني في الحوار أنّ «راتشيل» قالت للفتاة: يبدو أنك ممتازة في كل شيء» فردت عليها الفتاة بهدوء وثقة يستحقان الإعجاب «لا، إنني لا أجيد الرياضيات». فقالت لها «راتشيل»: ولكنك ممتازة في إعداد الأطباق الشهية، وهذا وحده يكفي».

جعلني هذا الحوار أفكر في كثير من الأساليب التي يتبعها معظم الآباء والأمهات في تربية أبنائهم والتي قد تجلب لهم الضرر، وتؤثر سلبا على حياتهم ومستقبلهم، من دون أن يدرك الأهل الأثر الخطير لها، ومن دون أن يبذلوا جهدا حقيقيا في تأمل مردودها السيئ على حياة أبنائهم ومستقبلهم؛ فكثيرة هي الأسر التي تنتزع من أبنائها الإحساس بتقدير الذات والثقة بالنفس من غير أن تشعر أنها تفعل ذلك.

ولعل ما يتجه إليه بعض أولياء الأمور من مطالبة أبنائهم بالتفوق في كل شيء، وبإحراز الدرجات العالية في كل ما يدرسون بغضّ النظر عن قدراتهم وطبيعتهم الخاصة ومواهبهم وما يميلون إليه يجعل الأبناء يشعرون أنهم في سباق محموم، ويحرمهم من لذة التمتع بالحياة، ولا يكشف أمامهم ولا أمام آبائهم وأمهاتهم نقاط القوة الحقيقية الكامنة فيهم، التي قد تضيع إلى الأبد.

ولعل هذا الأمر يبرز بروزا فاقعا في الحياة المدرسية التي أضحت في مجتمعاتنا اليوم بيئات حاضنة لممارسة كافة أشكال الضغط على الأطفال من أجل أن ينالوا أعلى الدرجات في كل المواد، وإن كان ذلك أحيانا يتم بطرق ملتوية غير تربوية تضرّ تكوين الصغار وتوجههم إلى تبني الكذب والخداع، وليس هذا من أجل العلم والمعرفة والاكتشاف وتطوير الذات.

وإنما هو من أجل إحراز الدرجات التي قد تعجز عن مساعدة الطفل وأهله في اكتشاف مواهبه وما يتميز به من قدرات خاصة في مجالات بعينها، فيصبح كل شيء في حياة الصغير متساويا، لا فرق بين ما يجيده حقا وما لا يجيده، ولا اختلاف بين ما يحبه وما لا يحبه. ويكبر الصغير ويصبح فتى وهو لا يعرف ماذا يريد وماذا يحب؟ بل إنّه قد يتجنب الكثير من الأشياء التي يحبها لأنه لا يتقنها، فهو يرى أنّه مطلوب منه أن يكون ممتازا في كل شيء. وبهذا يكون النجاح والفشل مقياسا لقيمته الذاتية، فإذا نجح وتفوق فقيمته ترتفع، وإذا أخفق أو فشل فقيمته تنخفض.

وهذه الرسائل لا يعبر عنها الأهالي ولا المعلمون تعبيرا مباشرا، ولكن فحواها يصل إلى الصغار، فيكبرون وهم يرون قيمتهم الشخصية مرهونة بذلك، مما قد يجعلهم يتبنون أفكارا سيئة وعادات مدمرة كالنظرة المتدنية للذات والشعور بالذنب والبحث الدائم عن استحسان الآخرين، أما ذواتهم الخاصة وأفكارهم وعواطفهم فغالبا ما تتجاهل وتنسى مع مرور السنين.

ولعلّ هذا الأمر يتضح في الوقت الذي يقدم فيه الأبناء أوراقهم إلى الجامعات، إذ يبدو على كثير منهم الحيرة والتردد، وعدم القدرة على تحديد التخصص الذي يحبونه ويبرعون فيه، لأنهم لم يقضوا سنوات عمرهم الماضية في اكتشاف ذواتهم وقدراتهم ومواهبهم، والأشياء التي يجيدونها ويحبونها، وإنما قضوها في الكدح والضغط على النفس من أجل إحراز الدرجات العالية في كل شيء.

ولا يعني حديثي هذا أنّ الاهتمام بتشجيع الأبناء على الاجتهاد والدراسة أمر سيئ في حد ذاته، إنما القصد أنْ لا يتجاوز الحدود، وألا يشكل مصدر ضغط وقلق للأبناء، وألا يحرمهم من الاستمتاع بالحياة ومباهجها، ومن قضاء الأوقات مع الأصدقاء، أو في اللعب والمرح، أو في ممارسة هوايات بعينها يحبونها ويسعدون بها. إنني أعتقد أننا لو توجهنا إلى أبنائنا بسؤال حول هواياتهم في وقت الفراغ فإن كثيرا منهم سيتردد ولن يكون لديه جواب حاضر.

وقد يجيب بأي شيء لمجرد الإجابة. وقد يبدو ذلك واضحا من تكرار إجابات بعينها عند عدد كبير منهم. وليس الذنب ذنبهم، فإنهم لم يقضوا أيامهم في محاولة لاكتشاف أنفسهم ومعرفة ما يحبونه وما يمهرون فيه، وإنما قضوها في محاولة استظهار المعلومات والدراسة التي قد تتجاوز حدود المعقول من أجل الشهادة والدرجات التي أضحت مؤشرا أساسيا على قيمتهم الشخصية.

ويذكر علماء النفس أنّ مثل هذا التوجه في تربية الأبناء قد يؤدي بهم إلى ما يعرف بالتحصيل القهري في المدرسة والقهرية في الإنجاز الوظيفي، بمعنى أنهم يعيشون حياتهم في سباق محموم وضغط وقلق من أجل تحصيل الدرجات وتقرير الإنجاز العالي بغض النظر عن استمتاعهم وسعادتهم وتحصيلهم للمعرفة والفائدة.

وتجعلهم يحجمون عن تجربة أي شيء جديد في حياتهم مخافة ألا يتقنوه، فهذا هو معيارهم لذواتهم الذي تشربوه عبر السنين، التفوق في كل شيء، وإلا فإنّ قيمتهم ستنخفض، ولذلك فإنهم قد يتركون فعل أشياء تتوق نفوسهم إليها لأنهم يخافون ألا يتفوقوا فيها.

وهكذا قد يحرمون من متعة التجريب واكتشاف الجديد، لأنهم يشعرون دائما أنهم مطالبون بإحراز أعلى الدرجات حتى في مجال الهوايات والألعاب والمسابقات التي يفترض أن تكون مجالا حيويا للمتعة والفرح وتخفيف الأعباء والخروج من دائرة العمل المضني إلى فضاء الحرية والبهجة.

ولعله يجدر بالأهالي والمدارس أن يتجهوا نحو تبني وجهات نظر تربوية صحية تخفف الضغوط عن الصغار وتمنحهم الفرصة لاختبار كثير من المهارات والأنشطة، مما يساعدهم ويساعد أسرهم لاكتشاف مواهبهم وقدراتهم منذ الصغر.

وقد يكون هذا الأمر ميسورا اليوم أكثر من الماضي فالكتب التي تساعد على ذلك موجودة ومتوافرة، وهي مكتوبة بأساليب سهلة جاذبة، ولا شك أنّ مثل هذه المهمة ستكون من أولويات الاختصاصي النفسي في المدرسة الذي يتوقع منه أن يعقد لقاءات جماعية وفردية مع التلاميذ لمحاورتهم وطرح الأسئلة عليهم.

وهي أسئلة تمتلئ بها كتب علم النفس، ليعرف عن كثب وبمساعدة الأهل وباقي المعلمين مجالات التفوق التي من الممكن أن يبرع فيها الصغار والتي يحتاجون فيها إلى دعم الكبار وتشجيعهم.

وبهذه الوسائل وبالعطف والتفهم والمشاركة الحقيقية من قبل الأهل نستطيع أن نساعد أبناءنا على أن يكتشفوا الحياة والخبرات الجديدة بثقة، وأن يبدأوا رسم طريق المستقبل لأنفسهم خطوة خطوة بوعي وجهد لا يحرمهم من الاستمتاع بالحياة ومباهجها.

جامعة الإمارات

ltfibrahim@yahoo.com