هل جاء قرار الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف الأخير بالاستقالة خيارا أم جبرا؟.. وهل كان أمامه من مخرج آخر للبقاء في السلطة، مع تشديد الحصار البرلماني والحكومي الداخلي عليه بعد تآكل شعبيته وبالتالي شرعيته، ومع رفع الغطاء السياسي والعسكري الخارجي عنه بعد احتراق أوراقه في مهمته «على خط النار» الذي اختاره على «الجبهة الشمالية الغربية» بعدما اختاروه له ميدانا لاختباره؟!
ليكون السؤال في النهاية هو..هل حقا استقال الرئيس مشرف.. أم أقيل. أم أُستقيل؟
في آخر خطاب له إلى الشعب الباكستاني أعلن الجنرال مشرف آخر قراراته بالاستقالة من منصبه كرئيس لباكستان الإسلامية، وسط ترحيب شعبي وإقليمي ودولي، متنحيا عن السلطة التي استولى عليها بانقلاب عسكري على الحكومة المدنية الديمقراطية لحزب الرابطة الإسلامية برئاسة نواز شريف منذ تسع سنوات.
وفى حين يمثل آخر القرارات للرئيس السابق والتي قبلها البرلمان الباكستاني على الفور أول السوابق في التاريخ السياسي لباكستان، فإن السابقة البرلمانية السابقة على تلك السابقة الرئاسية كانت هي الأصل كأول سابقة ديمقراطية دستورية في بلد ينص دستوره على حق البرلمان بمحاسبة وإقالة رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين، حيث خيرت الغالبية البرلمانية لنواب أحزاب الائتلاف الحكومي الجنرال مشرف بين الاستقالة التي ستبدو مشرفة أو الإقالة المهينة التي لن تبقى في الوجه السياسي قطرة ماء.
وبينما بدا أن مشرف يمكن أن يستبق مساءلته وإجراءات عزله برلمانيا، باللجوء إلى استخدام صلاحياته الدستورية أيضا بحل البرلمان أو إقالة الحكومة التي تمثل الغالبية البرلمانية أو إعلان حالة الطوارئ لتجنب حتمية عزله واحتمال محاكمته بذات التهم المقدمة في عريضة الاتهام والمساءلة للبرلمان، إلا أنه لم يفعل وأعلن مشرف وروج مساعدوه إلى أنه سيواجه المساءلة في البرلمان ويرد على الاتهامات!
ويرى المراقبون أن ذلك لم يكن تغليبا للديمقراطية على الإجراءات السلطوية، ولم يكن ثقة منه بأنه قادر على مواجهة تلك الاتهامات السياسية والجنائية والدستورية، ولم يكن ذلك ظنا منه بأنه يحظى بالشعبية في مواجهة البرلمان، أو وهما بأنه يحوز على تأييد أوتوماتيكي لغالبية حزبه البرلمانية..
أو حتى ثقة في الدعم الأميركي لأخلص حلفائها فيما يسمى بالحرب على الإرهاب أو على الأشباح على حد الوصف العسكري الباكستاني، بل نتيجة لحساب واقعي نتيجته في النهاية تغلب قوى الرياح الشمالية الغربية المعاكسة على كل ما تشتهي البوارج العسكرية الباكستانية أو الأميركية!
كل الخيارات بدت فجأة صعبة إن لم تكن مستحيلة بعد أن وجد نفسه وحيدا في قلب الإعصار، خصوصاً مع تخلي الشعب والحزب والجيش عنه الذي كان يستحيل بدونه الإقدام على استخدام صلاحياته الدستورية بحل البرلمان، والذي كان عليه إجراء انتخابات جديدة خلال ثلاثة شهور كانت نتيجتها معروفة سلفا لصالح حزب شريف غير الموالى لأميركا لحزب بوتو الحليف الجديد له بعد مشرف.
ومع أكثر من إشارة من واشنطن بالتخلي عنه بل والانقلاب عليه كعادتها مع حلفائها أو أصدقائها أو أدواتها إذا تباينت مبادئها عن مصالحها، فتغلب مصالحها وتمنحهم بعض كلمات الثناء أو العزاء، أو اللجوء السياسي حماية لهم من شعوبهم كمكافأة لنهاية الخدمة.. هذا إن لم تعاملهم كخيل الحكومة فتطلق عليهم رصاصة الرحمة، بوفاء نادر ومشهود لمبادئها الديمقراطية ومعاييرها غير المزدوجة للحقوق الإنسانية!!
كاتب مصري