العنف أطل برأسه من جديد في الجزائر ليضرب هذه المرة مدناً وقرى في هجمات انتحارية خلال يومين متتاليين، وبما يعيد للأذهان مسلسل رعب التسعينات، لكنه لا يمثل بأي حال من الأحوال تراجعاً في حظوظ خطة الوئام والمصالحة، فثمة حقيقة لا تخطئها العين مفادها أن معاودة العنف في الجزائر ليس منفصلاً عن تنامي التطرف في المنطقة والعالم في ضوء النتائج المحدودة للحرب على الإرهاب.
بعد انحسار نفوذ الجماعات المسلحة في العراق والهزائم التي تكبدتها، يبدو أن جماعات التطرف أخذت تبحث عن أماكن جديدة لكنها قديمة، حيث تحوي بؤر إرهاب قادرة على التجدد في أي وقت مثل أفغانستان والجزائر.
في وقت اطمأنت الجزائر إلى أن تجربتها في الوئام التي مكنت أعداداً كبيرة من مقاتلي التنظيمات المتطرفة من إلقاء السلاح قد حققت بعضا من الاستقرار الأمني، لكن العنف في الجزائر لم ينته وتمثل التفجيرات الإرهابية الأخيرة في الجزائر تعبيرا عن عمق تواجد هذه البؤر فيها.
حيث كانت تهدف إلى تحقيق بعد رمزي، فيما تجد الحكومة الجزائرية صعوبة في مواجهة استراتيجية التفجيرات الانتحارية التي تعتمدها القاعدة من دون أن تعيد النظر بالمصالحة الوطنية، حيث تشدد على مواصلة محاربة الإرهاب بلا هوادة وبعزم راسخ حتى القضاء عليه نهائياً.
ومن الزاوية السياسية تندرج هذه العمليات في إطار العنف الأعمى الذي يفتقد البوصلة السياسية الواعية، بدليل رفضه العارم من الجماهير الشعبية في بلد عانى الكثير بسبب العنف الدموي طوال ما يزيد على عقد من السنوات، ولم تزعزع هذه العمليات قناعة السلطات الجزائرية لجهة اعتبار هذه الاعتداءات لا تهدد سياسة المصالحة الوطنية التي اقرها الرئيس بوتفليقة.
وفي العموم فإن الإدانة الشعبية الداخلية والدولية الشاملة ستكون كفيلة بحصار هذا المسار، إلى جانب توسيع إطار المصالحة دون التنازل عن سياسة الحل الأمني.
لذلك، فإن مظاهر العنف والإرهاب في الجزائر اليوم، لا تمت بصلة إلى كابوس العشرية السوداء الذي دفن الجزائريون شبحه إلى الأبد: الأوضاع كلها مختلفة والأسباب التي أنتجت رعب التسعينات ولت، والجزائر اكتسبت خبرة عالية في مواجهة هذه التنظيمات والجماعات المتطرفة، بالإضافة إلى أن الشوط الذي قطعته منذ بداية الألفية الجديدة وإلى اليوم، قد جعلها أكثر صلابة وأقوى من حيث المناعة.
وبالرغم من حجم العوائق الكثيرة، من الداخل والخارج، في وجه المصالحة الوطنية، فإنها تظل الخيار الوحيد المأمون والمأمول لإخراج البلاد من أزمتها، والدفع بها قدما إلى الأمام في اتجاه الإصلاح والتقدم. إذا توفرت الإرادة السياسية، وصح العزم على السير في اتجاهها.
