هل يعني لجوء الرئيس الباكستاني الجنرال مشرف أخيراً إلى الاستقالة أن أميركا تخلّت عنه - اضطراراً؟ هناك سوابق مماثلة، في عام 1985 استغنت إدارة رونالد ريغان عن الديكتاتور السوداني جعفر نميري بعد أن عقدت صفقة سرية مع قادة جبهة المعارضة الحزبية تضمن للأحزاب استعادة السلطة.
وفي المقابل يتعهد القادة المعارضون بأن الحكومة المقبلة سوف تلتزم بنفس خط السياسة الخارجية الذي كان ينتهجه النظام الديكتاتوري، خاصة الاستمرار في تأييد معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية (كامب ديفيد)، وأن يواصل السودان سداد ما عليه من ديون مستحقة للبنوك الأميركية والمؤسسات المالية الدولية التي تخضع لسيطرة سياسية أميركية كصندوق النقد الدولي. وفي عام 1987 وافقت حكومة ريغان مسبقاً على تدبير انقلابي للإطاحة بحكم الرئيس التونسي الحبيب بو رقيبة مقابل ألا تحيد الحكومة الانقلابية عن سياسة بورقيبة الموالية للولايات المتحدة.
وقبل أن تنطوي صفحة عقد الثمانينات، لقي الديكتاتور الباكستاني ضياء الحق حتفه في حادث انفجار طائرة. ورغم غموض ظروف الحادث حتى اليوم، إلا أن هناك اعتقادا بأنه كان من تدبير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. كان نظام ضياء الحق موالياً تماماً لأميركا، فقد كان يقود حركة «الجهاد» ضد الوجود العسكري السوفييتي في أفغانستان بتخطيط ودعم وتمويل أميركي، لكن النظام الحزبي الذي خلفه لم يكن أقل ولاء للمصالح الأميركية.
ويبدو أنه جاء الآن دور الجنرال مشرف. القاسم المشترك بين كل هذه الحالات هو أن الديكتاتور الحاكم فقد قدرته على مواصلة تسيير آلة الحكم، إما لضعف شخصي، أو بسبب اشتداد وطأة الظروف المضادة في الداخل، فيصبح من «الحكمة» من المنظور الأميركي الضغط عليه ليتخلى عن السلطة طوعاً أو الإطاحة به قسراً إذا رفض التنحي.
وبالطبع، فإن واشنطن لن تقبل على هذا المخطط إلا بعد الاستوثاق من وجود بديل مناسب. في الحالة الباكستانية كان هناك ما يمكن أن يطلق عليه «بديل جزئي» يتمثل في شخص السيدة بنازير بوتو زعيمة «حزب الشعب الباكستاني» ذي القاعدة العريضة. وكان المخطط الأميركي يقضي بأن تدخل السيدة بوتو السلطة كشريك للجنرال، وذلك لامتصاص غضب الشارع المتصاعد من ناحية، وإضفاء طابع شرعي للنظام الديكتاتوري من ناحية أخرى.
ووفقاً للمخطط قبلت واشنطن إجراء انتخابات عامة كان من المؤكد أن حزب بوتو سيكون الفائز الأكبر فيها. ولكن بينما تظاهر مشرف بقبول هذه الترتيبات، فإنه جرى اغتيال بوتو قبيل الانتخابات. وأغلب الظن أن الاغتيال كان بتدبير من الجنرال.