لم يتوقع أحد لا من أنصار الرئيس القوي برويز مشرف، ولا حتى من خصومه بأن ينسحب بهذه البساطة من الحياة السياسية الباكستانية الملتهبة بتعقيداتها الداخلية وملفاتها الأمنية الإقليمية،

استقالة المحارب العنيد، الهندي المولد الباكستاني الهوية.

والذي قضى معظم حياته في الجيش، كانت مفاجئة في ساعاتها الأولى، وبين الحديث عن صفقة ما وراء الكواليس لسحب استجواب الائتلاف الحكومي أو استخدام الرئيس السابق لحق الدستوري بحل البرلمان الاتحادي، كان مشرف نفسه الوحيد الذي يعرف أن ساعة نهايته قد انتهت.

فمنذ الصفقة التي أعادت الراحلة بنازير بوتو وخصمه اللدود نواز شريف العام الماضي إلى باكستان، ومن ثم تولي المعارضة الحكم في فبراير الماضي، كل ذلك كان مؤشرا على أن مشرف لم يعد الحليف المفضل لدى الولايات المتحدة في حربه على الإرهاب.

وجاءت الضربة القاسية قبل أسبوعين عندما قرر قادة الجيش الذي طالما وثق بهم مشرف تجاهله، ليصبح الجنرال وحيدا ومحاصرا من الجميع وبالتالي لم يعد بإمكانه الاستمرار في الحكم.

ولعل الاتهامات الأخيرة للمخابرات الباكستانية بالوقوف وراء أعمال العنف في أفغانستان، والحديث عن دورها القديم في احتضان وحماية حركة «طالبان» دفعت واشنطن إلى السعي نحو التخلص من مشرف ومن حقبة استلزمت دورا باكستانيا ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

وعلى أي حال فإن باكستان اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، الثابت فيها التنسيق الأميركي مع حكومة إسلام أباد في الحرب على الإرهاب بصرف النظر عن اسم الرئيس المقبل.

لكن الداخل الباكستاني وبعد فرحة التخلص من مشرف استيقظ في الأمس على خلاف بين حزب الشعب الباكستاني العلماني بزعامة اصف زرداري وحزب الرابطة الإسلامية بزعامة نواز شريف بشأن الخلاف ظاهريا حول منح أو عدم منح الرئيس المستقيل حصانة من الملاحقات القضائية، فيما يعتمل في ما وراء الكواليس خلافا على هوية الرئيس المقبل.

كما أن موضوع إعادة مجموعة من كبار القضاة وعلى رأسهم افتخار تشودري، إلى جانب الكيفية التي ستعالج بها قضية المسلحين في وزيرستان عند المناطق الحدودية المحاذية لأفغانستان، كلتيهما مسألتين لم يتم حسمهما بعد وتسببا في الماضي بالتهديد بانسحاب وزراء شريف من الحكومة الحالية.

وإذا ما صحت التوقعات وفشل الائتلاف الحكومي في اختيار رئيس فإن قائد الجيش الحالي الجنرال أشفق كياني الذي سلمه مشرف صلاحياته العسكرية في نوفمبر الماضي، قد يكون الخيار الوحيد والأنسب لجميع الأطراف لضبط إيقاع السياسة الباكستانية.