يدير أوباما حملة انتخابية تتسم بالبراعة السياسية. لكن تلك البراعة هي في ذاتها المؤشر الأكثر أهمية على أن أوباما في إدارته للسياسة الأميركية لن يختلف كثيرا عن سلفه الديمقراطي بيل كلينتون.
فأول ما يلفت الانتباه في حملة أوباما هو تعاملها مع خصمه جون ماكين. فهي لم تترك شاردة ولا واردة تصدر عن حملة ماكين إلا وأصدرت فورا ردا قويا عليها. وهي شرعت في استخدام الدعاية السلبية ضد المرشح الجمهوري هذا فضلا عن أن أوباما صار ينأى بنفسه بانتظام عن أي رمز قد يثير جدلا حتى ولو كان مصدره أكثر القوى السياسية تطرفا.
وتجدر الإشارة إلى أن كل تلك التكتيكات الانتخابية ليست جديدة وإنما هي منقولة في الواقع من حملة بيل كلينتون 1992 التي كانت واحدة من أكثر الحملات الانتخابية حنكة وبراعة في تاريخ أميركا الحديث.
فحملة أوباما مثلها مثل حملة كلينتون 1992 اعتبرت أن التهديد الحقيقي لمرشحها هو أن يتمكن خصمه من تعريف الناخبين به. ومن ثم فهي تحرص على أن يظل زمام الأمر في هذا الصدد في يدها ولا تسمح إطلاقا لحملة ماكين بأن تلصق بأوباما أي وصف أو اتهام.
وتعمل حملة أوباما بشكل أشبه ما يكون بما عرف في حملة كلينتون باسم »غرفة الحرب« التي كانت تضم عددا من أمهر الخبراء للرد الفوري- بشكل قوي وهجومي- على مدار الساعة على أي هجوم يوجه للمرشح. بل أن فريقا منها كانت مهمته أن يتوقع نوع الهجوم التالي ويستعد للرد عليه حتى قبل أن يبدأ.
وفضلا عن ذلك، فقد أنتجت حملة أوباما عددا من الإعلانات التليفزيونية التي تستخدم »الدعاية السلبية« وبدأت تبثها فعلا في عدد من الولايات. والإعلان الذي يستخدم الدعاية السلبية هو أحد أشكال الدعاية الانتخابية وهو لا يدور حول المرشح الذي أنتجه ولا يتحدث عنه وإنما يدور حول خصمه ساعيا لتقديمه في صورة سلبية تستعدي قطاعا أو أكثر من الناخبين.
واستخدام هذين التكتيكين ـــ الرد الفوري الهجومي والدعاية السلبية- هو في الواقع من أهم أدوات السياسة في واشنطن المعاصرة. ومن أهم السمات التي ضاقت بها ذرعا الحركة السياسية الواسعة التي وقفت وراء أوباما. وقد دعمت تلك الحركة أوباما في المرحلة التمهيدية من أجل الخلاص من ذلك النوع من السياسة على وجه التحديد.
لذلك فإن استخدام أوباما لتلك الأساليب نفسها إنما ينذر بأنه صار مستوعباً تماماً في تلك الآليات على نحو يجعل من الصعب عليه الفكاك منها إذا ما تولى الرئاسة ما لم تمارس هذه الحركة ضغوطاً قوية عليه. فهذه السمات هي المسؤولة عن خلق الظاهرة التي صارت تعرف في أميركا »بالحملة الدائمة«.
وهو تعبير صكه بعض علماء السياسة للإشارة إلى انشغال السياسيين الدائم والمستمر بتطويع الرأي العام لصالحهم واعتبار ذلك هو الوسيلة الأهم على الإطلاق لحكم البلاد بغض النظر عما إذا كان يصاحب ذلك العمل السياسي الجاد لمواجهة المشكلات الحقيقية التي يواجهها المجتمع. بعبارة أخرى، »الحملة الدائمة« تعني أن السياسيين وهم في مقاعد الحكم يديرون العملية السياسية وكأنهم في حملة انتخابية أهم أهدافها هي الانتصار على الخصم لا تحقيق إنجاز حقيقي بشأن القضايا الكبرى التي تمس حياة المواطنين.
وقد كانت إدارتا كلينتون الأولى والثانية نموذجا للحملة الدائمة. إلا أن بوش الابن تفوق على كلينتون في هذا الصدد حين خلفه في الحكم فكانت النتيجة صراعا سياسيا عميقا ومريرا استحكمت حلقاته وأدى إلى كوارث كبرى من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية.
أما أوباما فقد قامت حملته منذ البداية على الدعوة للتغيير. فهو بذكائه السياسي قد أدرك أن قطاعات واسعة تريد ليس فقط التغيير في السياسات وإنما في طريقة صنعها أصلا فتعهد بأن يسعى للحد من الصراع السياسي في واشنطن والقضاء على الاستقطاب السياسي الذي يشل البلاد. وعلى ذلك فإن استخدام أوباما تلك الأساليب نفسها يطرح تساؤلات عميقة بشأن قدرته فعلا على الخروج من أسرها في حالة فوزه.
غير أن الأخطر من هذا وذاك هو استعداد أوباما التام واللا محدود لأن ينحني أمام أية عاصفة لئلا تؤثر على مستقبله السياسي. وهو أيضا من سمات واشنطن التي صارت أسيرة جماعات المصالح القوية. ففي أثناء الحملة مثلا كان أوباما مستعدا على الدوام للتخلي عن عدد من الشخصيات والرموز التي تعرضت للانتقاد. والأمر لم يقتصر على راعي كنيسته جرمايا رايت الذي تعرض لانتقادات حادة بشأن مواقفه من السياسة الخارجية.
وإنما نأى أوباما بنفسه عن عدد من مستشاري حملته للشؤون الخارجية. فهو مثلا تخلى عن بريزينسكي وروبرت مالي بعد أن »اتهما« بتعاطفهما مع العرب. وكان آخر ضحايا هذا التوجه هو مازن الصباحي الذي عمل لأسابيع قليلة فقط مسؤولا في حملة أوباما عن التواصل مع الأميركيين العرب والمسلمين الأميركيين. وقد اضطر الصباحي للاستقالة بعد تقارير ملفقة اتهمته بالارتباط فيما سبق بدوائر إسلامية متطرفة.
والمثير للقلق حقا أن أوباما في كل تلك الوقائع قد أثبت المرة بعد الأخرى أنه على استعداد للانحناء تماما أمام أية ضغوط حتى لو كانت تأتي من أكثر الجماعات تطرفا. فهو لم يدافع أبدا عن أي من هؤلاء الذين ارتبط بهم تاريخيا مثل جرمايا رايت أو الذين خدموا حملته. فهو أدان جرمايا رايت وترك الكنيسة، ثم لم ينطق بكلمة واحدة ترفض اتهام المسلمين بالجملة بالتطرف والإرهاب. صحيح أنه يسعى طوال حملته إلى أن يؤكد على أنه يدين بالمسيحية وهذا حقه، إلا أنه لم يرفق ذلك أبدا بأي تصريح يدافع فيه عن المنتمين للإسلام من الأميركيين.
خطورة هذا التوجه هي أنه يكشف عن خلل خطير يعتور شعار »التغيير« الذي يرفعه أوباما. فالتغيير الذي يقصده لا يشمل مثلا مواجهة التعصب. فهل من الممكن أن نتوقع من أوباما الذي زعم أنه »لا توجد أميركا بيضاء وأخرى سوداء« في بلد يزيد فيه معدل الوفيات بين الأطفال السود عنه بين البيض بنسبة 2.4 % أن يواجه بقوة العنصرية المؤسسية التي لا يزال يعاني منها السود في أميركا؟ وهل يرشحه موقفه من مستشاري السياسة الخارجية لأن يستخدم منصب الرئاسة لمواجهة التعصب ضد العرب والمسلمين؟
وألا يعني ذلك كله أن حجم »التغيير« الذي يتعهد به أوباما وحدوده يظل سؤالاً مفتوحاً على كل الاحتمالات؟
ـــ كاتبة مصرية
