كيف ينبغي للدول العربية أن تنظر إلى الأزمة الخطيرة الناشئة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن جورجيا؟
ربما يُقال إنها أزمة لا تهم العرب بحال من الأحوال سواء من حيث تحقيق مصلحة أو درء ضرر. لكن بقليل من التدبر قد ندرك أن التاريخ يتيح للعرب الآن فرصة جيدة للدبلوماسية العربية.
من الواضح أولاً أن الصراع الدائر بين روسيا والغرب حول مصير جورجيا سينتقل إلى مجلس الأمن الدولي فتتحول الأزمة إلى معركة دبلوماسية وبطبيعة الحال سيحدث تجاذب بين روسيا والولايات المتحدة نحو استقطاب التأييد العربي. بمعيار القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة تبدو روسيا كدولة معتدية. فقد شنّت غزواً على جورجيا.. وتحوَّل الغزو إلى احتلال تهدف منه موسكو إلى تفكيك جورجيا عن طريق تشجيع اثنين من أقاليمها على الانفصال والاستقلال. لكن غزو العراق واحتلاله على يد الولايات المتحدة هو أيضاً فعل عدواني يعكس انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.
في المعركة الدبلوماسية الدولية المرتقبة سوف تسعى الولايات المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن بإدانة روسيا تطبيقاً للشرعية الدولية. فكيف يتصرَّف العرب إزاء هذا التحرُّك الأميركي؟
الشرعية الدولية لا تقبل التجزئة. فالاحتلال الروسي لجورجيا يماثله الاحتلال الأميركي للعراق. هنا تطرأ فرصة أمام العرب تنطوي على مساومة مشروعة، في مقابل التأييد العربي لمشروع أميركي ضد الاحتلال الروسي في جورجيا تتعهد الولايات المتحدة بوضح جدول زمني للاحتلال الأميركي للعراق.
ربما ترفض الولايات المتحدة مثل هذه المساومة، لكن في هذه الحالة فإنه سيكون متاحاً للدول العربية أن تلعب ورقتها لمصلحة روسيا بما يؤدي إلى تطوير العلاقات العربية ـ الروسية إلى مستوى تحالفي يشجع موسكو على لعب دور قوي لمصلحة العرب في سياق الصراع العربي ـ الإسرائيلي، كأن تتحوَّل إلى محامٍ للعرب في إطار اللجنة الرباعية الدولية التي تتكون عضويتها من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة، بالإضافة إلى روسيا.
هذا هو منطق اللعب في ساحة الصراع الدولي: أخذ يواكبه عطاء وليس منطق حاتم الطائي في كرم العطاء المتجرِّد. ولنرجع إلى دبلوماسية عبدالناصر الذي كان يلعب بذكاء على التناقضات بين الغرب والشرق من منطلق اعتبارات المصلحة القومية العربية.