ثمة قراءات مختلفة لما جرى مؤخرا في منطقة القوقاز وأدّى لدمار هائل على كافة الأصعدة، لاسيما على الصعيدين الإنساني والسياسي. لكن بجميع الأحوال، فإن الذي شهدناه لم يكن وليد الصدفة أبدا، بل نتاجا طبيعيا لإفرازات الأوضاع السائدة على ساحة العلاقات الدولية، وخصوصا بين روسيا وما قد نصطلح على تسميته الغرب المتوسّع بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، الذي بات يضم خليطا من الدول التي تصرّ على استخدام أساليب فريدة لتحديد انتمائها السياسي الجديد.

القراءة الأولى التي يقدّمها أنصار ذلك الغرب المتوسع ركّزت في جوهرها على حشر روسيا في دائرة الاتهام وتحميلها بالتالي مسؤولية ما جرى، منطلقة في غالب الأحيان من اعتبارات التاريخ والجغرافيا السياسية و«حق» جورجيا لفرض سيادتها على إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، لأنهما بكل بساطة جزء تاريخي من أراضيها.

ولا تنسى تلك الدول طبعا الإشارة إلى أن روسيا تحلم منذ زمن لاستعادة موقعها كقوة عظمى على الساحة الدولية، وهي آراء طالما تتردد في مناطق أوروبا الوسطى التي كانت ذات يوم جزءا أساسيا من الفلك السوفييتي المندثر.

لكن القراءة الثانية التي تسنّى لكثيرين الاطلاع عليها تتحدث بوضوح عن مسؤولية جورجيا عمّا حصل. فقيادتها المتحمّسة بشدة للغرب المتوسع تتحمل على الأقل مسؤولية إطلاق شرارة الحرب الأخيرة من خلال قصفها المتعمّد لمناطق مختلفة في أوسيتيا الجنوبية، حيث كانت تأمل على ما يبدو تحقيق فوز مفاجئ يساهم بفرض قواعد جديدة للعبة أريد منها حاليا أن تتناغم مع توجهات حلف شمال الأطلسي وإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش.

وبرغم اقتناعي ببعض ما ورد في القراءة الأولى من إشارة لرغبة روسيا باستعادة مكانتها الكبيرة على الساحة الدولية بشتى الطرق والأساليب الممكنة ـ وهذا يعتبر حقّها في نهاية المطاف، إلا أنني أبدو متوافقا على الأرجح مع المعطيات التي حدّدتها القراءة الثانية، وخصوصا في ما يتعلق بتحميل القيادة الجورجية مسؤولية التوتر الذي اندلع مؤخرا على الأقل، معتمدا في ذلك على بعض الحقائق والأمور التالية:

ـ أن القيادة الجورجية أمعنت خلال الآونة الأخيرة في تبنّي أسلوب استفزازي، إن لم أقل عدائياً، فيما يخص علاقتها مع روسيا وكيفية إيجاد الحلول المنطقية لأزمة الإقليمين المتنازع عليهما منذ زمن بعيد.

ـ أنها سعت لإيجاد تناغم غير منطقي بين هذا الشعور العدائي الملطّف أحيانا بعبارات دبلوماسية، وبين رغبتها الجامحة بالتكامل مع الغرب المتوسع، أي ذلك الغرب الذي بدأ يفقد طابعه الجغرافي ـ السياسي التقليدي بسبب توقفه عن حصر دائرة نشاطه ونفوذه في «الغرب» كما كان الحال دائما، بل بات يصر على قضم مزيد من الدول بهدف الاقتراب تدريجيا من الحدود الاستراتيجية لروسيا. لماذا يتم ذلك؟

لاعتبارات كثيرة لا يزال المراقبون يختلفون في تفسير طابعها وأسبابها، لكنها تنحصر على الأرجح بما يشاع عن نشر وتعزيز المفاهيم وفق المنطق الأميركي ـ الأوروبي الغربي، مع كل ما يحمله هذا التوجه من استفزاز وربما إهانة لشعوب الدول التي لا تبدو متحمسة للاقتناع بها.

ولأن النزاع الأخير قد اكتسب طابعا دمويا خطيرا، فإنه ألقى بظلاله القاتمة حتما على كافة جوانب الصراع المشتعل منذ فترة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وروسيا من جهة أخرى. ولعلّ ما يزيد من ظلام المشهد هو أن وتيرة الصراع المذكور بدأت ترتفع من الدرجة الباردة ـ الفاترة التي ميّزت التراشق الدبلوماسي بخصوص الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، إلى درجة الغليان التي كان يخشاها الجميع. وإذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن الأمور ستتطور إلى درجة الانفجار، التي ستكون حتما أشد وأقسى ممّا شهدناه مؤخرا في منطقة القوقاز.

هذا على الأقل ما يؤمن به كثيرون في أوروبا، ممّن يعتقدون بأن المعارك الأخيرة في جورجيا والأقاليم المتنازع عليها لم تكن برغم فظاعتها ودمويتها سوى نسخة مبسّطة جدا عمّا ستؤول إليه الأوضاع الحربية، إذا قرّرت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالإمعان في سياسة إذلال روسيا وحلفائها.

لكن لكي نكون عادلين في طرح الأمور، يجب الاعتراف بحق جورجيا للعمل من أجل إيجاد تسوية ما للنزاع القائم بخصوص إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وكذلك بحقها في أن تختار النظام السياسي الذي تعتبره ملائما لها ولشعبها.

ما نأخذه على القيادة الجورجية هو أنها لجأت لخيارات مغامِرة جدا ستضطر بسببها لدفع أثمان باهظة، في وقت كان بإمكانها أن تستخدم المنطقين السياسي والدبلوماسي لدفع الأمور إلى خواتيم أكثر سعادة. إن الطريقة التي تصرّفت بها هذه القيادة تميّزت بكثير من المراهقة السياسية، وبحقد واضح قد تنجح باستغلاله جيدا على الصعيد الشعبي المحلي لكنه سيعكس فشلها الواضح على صعيد العلاقات الدولية.

ما يهمّنا في كل ما جرى وسيجري هو أن تتمكن الأطراف المعنية من استيعاب ما جرى بدقة وموضوعية متناهيتين، لأن التوتر لم يعد مجردا من الاعتبارات العرقية الخطيرة، بل بات محرّكا أساسيا لها في منطقة القوقاز، لكن أيضاً في مناطق مختلفة من أوروبا.

ولقد استوقفتني في خضم هذه الأحداث المؤلمة مقاربة تافهة لأحد المعلّقين الصحافيين في وسط أوروبا، الذي وجد في نفسه الشجاعة أو الغباء الكافيين للدعوة إلى منع السياح الروس من القدوم إلى هذه المنطقة من العالم خوفا من أن يستقروا فيها. لماذا؟ لأن روسيا ستكون عندئذ حسب رأيه قادرة على استخدام جيوشها لحمايتهم من أي ضرر قد تلحقه بهم قوانين البلد الذي يقيمون فيه.

هذه ليست دعابة. إنها انعكاس صارخ لما آلت إليه الأوضاع بسبب ارتفاع وتيرة الشحن العرقي والإيديولوجي وانتقالها إلى صفوف المثقفين. فهل سيتعظ القادة من كل ما جرى ويجري؟

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz