مجرد توجيه الاتهام للبريء دون أدلة قاطعة أو بالشبهات باسم العدالة هو ظلم كبير، وإنزال لعقوبة مسبقة تضر بالسمعة والمستقبل، فلأن يبرأ مائة مجرم أفضل من أن يدان بريء واحد، وأن يوجه الاتهام لمائة مشتبه خير من أن يتهم بريء واحد.
وهذا يقودنا للبحث عن العدالة الغائبة أو العدالة الناقصة في تطبيق قواعد العدالة الدولية.. وعن مدى قانونية الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية بطلب توجيه الاتهام لرئيس دولة غير موقعة على اتفاقية روما بحجة ضعيفة هي أن إحالة طلب التحقيق من مجلس الأمن الدولي، مع أن الشكوى شيء والتحقيق والرد على الجهة الشاكية شيء.. لكن حدود الولاية القضائية شيء آخر.!
وقد حاول لويس أوكامبو المدعي العام بهذه المحكمة الرد على سؤال لقناة الجزيرة بشأن مخالفته لهذه المبادئ وعدم الاختصاص في مذكرته المتعلقة بالرئيس السوداني عمر البشير قال فيه: «صحيح أن السودان ليس عضواً في معاهدة روما التي أنشئت بموجبها هذه المحكمة لكن السودان عضو في الأمم المتحدة، وأنا في هذه القضية مجلس الأمن الدولي أحال القضية لي، وعلى السودان الامتثال لقرارات مجلس الأمن ليس بصفته عضوا في نظام روما لكن بسبب كونه عضوا في الأمم المتحدة»!
ولسنا في حاجة لأن نذكر السيد أوكامبو أن المحكمة الجنائية الدولية لم تنشأ ضمن منظمات الأمم المتحدة مثل محكمة العدل الدولية، ومرجعيتها الوحيدة التي أنشأتها معاهدة دولية هي معاهدة روما وليس ميثاق الأمم المتحدة..
وكون هذه المحكمة تقبل التحقيق في الدعاوى والشكاوى من الأفراد ومن حكومات الدول ومن أي من المنظمات الدولية بما فيها مجلس الأمن، فإن ذلك لا يرتب للشاكي فردا أو حكومة أو منظمة دولية أية ولاية عليها، ولا يجبرها على مخالفة النص الأساسي للمعاهدة المحدد تفسيره طبقا لاتفاقية فيينا..
وبالتالي لا يلزمها بالنظر في قضية لا تدخل ضمن اختصاصها القاصر على الجرائم الواقعة من أفراد في أرض الدول المصدقة على اتفاقية إنشائها فقط، مع توفر أدلة قاطعة للاتهام في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فقط، مع استبعاد المحكمة لجرائم العدوان!..
ودورها في هذه الدول فقط مكملا وللمحاكم الوطنية وليس أصيلا، ولا يبدأ إلا بطلب من حكوماتها كما حدث في حالتي الكونغو وأوغندا، وإلا إذا كان القضاء في الدول الموقعة وليس في غيرها غير قادر أو غير راغب في مقاضاة المتهمين، وهو مالا ينطبق على السودان!
وإذ يثبت أن هذه المحكمة جهة غير مختصة، فإن مجلس الأمن الدولي فيما يخص قضية دارفور هو من الأصل جهة غير مختصة في التصدي للمشكلة لأن البند الأول في نظام عمله الأساسي يقصر دوره على حفظ الأمن والسلم «الدوليين» أي في النزاعات بين دولة ودولة، ودارفور ليست دولة وإنما جزء من الدولة السودانية الواحدة، وليس بين رئيس دولة ومتمردين من أبناء هذه الدولة، فهذا في القانون الدولي شأن داخلي لا اختصاص فيه لمجلس الأمن الدولي، وبالتالي فما بني على باطل فهو باطل..
والمؤسف أن هذا الباطل يتم بتوظيف مجلس الأمن بتأثير الدولة الأميركية الكبرى وحلفائها الأكابر الخارجين على القانون الدولي بجرائم العدوان والغزو وجرائم الحرب لدولة العراق المستقلة، والمتواطئين مع المحتل الإسرائيلي في فلسطين في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.. بل وجرائم العدوان أيضاً.. أليس ذلك صحيحاً يا سيد أوكامبو؟!