أرخت الحرب الأخيرة في القوقاز سدلها أخيراً بعد طول انتظار حبس خلالها العالم أنفاسه ترقباً لما وصفه الكثيرون لمجريات حربٍ باردة جديدة أشعلتها هجمات الجيش الجورجي على إقليم أوسيتيا الجنوبية الانفصالي الذي يتكون معظم سكانه من الأقلية الروسية وزادها استعاراً الرد الروسي الذي فاجأ قوى الغرب الكبرى التي بدت وكأنها أخذت على حين غرة على هامش انشغال العالم بفعاليات أولمبياد بكين.

بدت روسيا، والتي تعتبر نفسها الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي من خلال تلك الحرب مصممةً على استعادة كرامتها الضائعة وأمجادها الحربية الغابرة وعازمةً أكثر من أي وقتٍ مضى على رد الاعتبار للعقيدة العسكرية الروسية التي استكانت إلى الظل إثر انهيار الاتحاد السوفييتي قبل نحو عقدين من الزمن بعد سنواتٍ طوال من التجاهل المتعمد والإذلال الثأري الواضح للمعسكر الغربي الذي أخذت بعقله نشوة النصر وحلاوته على دولةٍ كانت تشكل حوالي خمس مساحة كرتنا الأرضية.

نجحت موسكو إلى حدٍ بعيد في تحقيق العديد من أهدافها وراء هذه الحرب. وبغض النظر عن ما يقوله البعض عن مخططات مبيتة لهذا الطرف أو ذاك، فإن روسيا استطاعت ترسيخ وجودها في منطقة القوقاز الحيوية لمصالحها أكثر فأكثر من خلال الإشارة الواضحة بحقها في التدخل أو والتوغل داخل الأراضي الجورجية متى دعت الضرورة.

تمكن الدب الروسي من إنشاء مخالبه في عنق الإدارة الأميركية المترنحة في أيامها الأخيرة وسط غيابٍ بريطاني استغلته باريس بذكاء لتفرض هي الأخرى من نفسها فاعلاً قوياً على الساحة السياسية الدولية.

ولكن في خضم كل ما تقدم، يتساءل كثر فيما إذا كانت اتفاقية السلام التي وقعتها تبليسي وموسكو ليست بأكثر من ضربة بدايةٍ لحربٍ باردةٍ جديدة أحيتها صراعات الجغرافيا السياسية والأطماع التي تشكلت بعد انفراط عقد موسكو الشيوعية في وضع القوى الغربية يدها على الثروات الطبيعية التي تعوم فوقها منطقة القوقاز.

أرسلت موسكو إذاً إشارات حازمة بأنها لن تسمح لتلك القوى باللعب في ساحتها الخلفية، مستخدمةً حجتها المفضلة في حقها بحماية الأقليات الروسية في جمهوريات القوقاز.

يبقى الأمر الأهم بعد كل هذه الأحداث وبينما يستعد اللاجئون إلى العودة إلى ديارهم المدمرة كيف ستبدو آفاق علاقات روسيا بحلف «الناتو» ومن ورائه واشنطن وإلى أي مدى سيعيد الاتحاد الأوروبي تشكيل مشهده الهادئ مع الثنائي ميدفيديف وموسكو وسيناريو العلاقات الاقتصادية التي ما فتئ الغرب يلوح بإعادة النظر فيها منذ دوي الانفجار الأول في تسخينفالي؟. يبدو أنها بداية التاريخ وليست نهايته.