أصبح أحد المستحيلات أن تنجح أي وساطة بين الفرقاء الفلسطينيين، ولو كانت بفعل فاعل لتجاوزناها، ولا يفيد أن نتهم أي دولة عدوة أو صديقة بأنها السبب فيما يجري، لأن ما حدث ليس خلافاً بين من هو المخلص للقضية، ومن هو متآمر عليها ، أو بين من هو المسلم الصادق، والآخر النقيض، طالما الجميع يدينون بإسلام واحد وبدون مذاهب أو طوائف، وحتى الشيوعيين، وغير المسلمين من الطوائف الأخرى لا نجدهم خارج الاندماج بالقضية والدفاع عنها بإخلاص يتفق والمهمة الأخلاقية والنضالية.

لقد شهدتء أكثر من عاصمة ومدينة عربية تداول موضوع المصالحة، وقد رأينا كيف توقَّع بالأحرف الأولى التعهدات والمواثيق، لكن بمجرد الوصول إلى الأرض تعود النهايات إلى بداياتها السيئة والدموية، وكان الاعتقاد أن بعض الدول غير مؤهلة للوصول إلى نقطة العبور بأن يتلاقى أبناء القضية، وأن ما جرى بات إحدى المجاملات للدولة المضيفة لكن بالانتقال إلى كل الوسطاء وصلنا إلى نتيجة مفادها أن القضية ليست في بنود الاتفاق، وإنما في ثارات الأشخاص والقيادات مع بعضهم، وهنا ضلّت البوصلة اتجاهها، وصارت الدول الرئيسية وغيرها ممن حاولت، بحسن النوايا، إعادة التلاحم للفرقاء، أن جاء الفشل، ليس فقط بعدم وضوح البنود والمعاني، وإنما بالإرادة المقطوعة، والنوايا المبيتة فيما بينهم.

فليس سراً أن القافلة تسيّر باتجاه دول إقليمية أو عربية، وأن محرّكات الفعل والمضاد له، تأتي بنوازع وأفكار الآخرين، وهذا ما يؤلم عندما تحول القرار الفلسطيني للارتهان للآخر، وحتى مع وجود النوايا الحسنة، أو الشكوك التي أثبتت خطأ هذا الاتجاه صار من الخطأ المحاولة مع أي فصيل خلق مصالحات محكوم عليها، سلفاً، بالفشل.

الأردن آخر محطات الدورة الفلكية لهذا النشاط، والأماني تدفعنا أن ينجح لأن الأردن هو الطاقة الحيوية بدفع الفرقاء الى الإطار الذي يوحّد أفكارهم ثم أفعالهم، غير أن توفر النجاح قد لا يكون متحققاً بناء على تجارب سابقة وبعضها قريب جداً، كما حدث في القاهرة، وانتهى الى مزايدات قطعت خطوط التواصل لحل مقبول، ومعها يأس مطلق بجمءع الفرقاء.

المشكلة في حالات الانفصال ليست قطع الطريق على حكومة حماس المنتخبة، وليست لأن فتح تحاول التفرد بالقرار، فهذه أمور يمكن تسويتها بدون عزلة جغرافية وتقاطع بالأفكار إذا ماعلمنا أن كل قوى النضال والتحرر تتداخل فيها الخلافات على أمور عامة، لكن يبقى الجوهر هو الناموس، والمحرّم الاختلاف عليه، وقد كان مؤلماً أن نرى القتل ورفع إشارات الانتصار بين فريقين السجناء والقتلى، والمبعدون هم من أبناء المعركة واللحمة الوطنية، ثم دعنا من قبول العرب لهذا التصرف كظاهرة نشهدها في أقاليم أخرى مثل العراق والسودان ولبنان والصومال وغيرها، لكن كيف نبرر للرأي العام العالمي حق الدفاع عن أقدم وأقسى قضية شهدت حروباً وخطف طائرات، وزوال اشخاص ضحوا بحياتهم، ثم نأتي لندعو إلى شرف النضال وقيمه الإنسانية، بمعنى أن كل ما كسبه الفلسطينيون في رحلة العذاب والنضال انتهى الى دكان المزايدات، وبهذا المعنى فقدوا أهم الشروط، التعاطف والتأييد لقضيتهم، وهي محنة جديدة تحتاج إلى حكيم لديه مواصفات لا يملكها البشر العاديون.