لن نستطيع إيقاف استيراد العمالة من الخارج لأننا بحاجة إلى الوظائف المهنية التي لا يستطيع المواطنون ممارستها، ولا يوجد أصلا مواطنون مؤهلون لممارسة هذه المهن في قطاعات مختلفة كالنجارة والميكانيكا والكهرباء وما شابه ذلك من المهن التي هي بحاجة إلى فنيين لا توفرهم لنا مؤسسات التعليم الأساسي والعالي رغم كثرتها.
لذلك لن نستطيع وقف تدفق هذا النوع من العمالة، وبالتالي معالجة خلل التركيبة السكانية ما دمنا مستمرين في عملية البناء والتنمية التي هي بحاجة إلى هذه العمالة الفنية التي نعاني فيها نقصا لا يمكن إنكاره.
هذه هي الذريعة التي يسوقها أولئك الذين لا يعطوننا أملا في معالجة خلل التركيبة السكانية، ويرون أننا نفتقد إلى المنطق والتعامل مع الواقع في مطالبتنا بالحد من استيراد العمالة الأجنبية، معتقدين أننا نجدف ضد التيار ونحن نمضي غير متلامسين مع الواقع الذي تفرضه علينا عملية البناء والتنمية.
وهي وجهة نظر لها من الوجاهة والمنطق ما يدعونا إلى التساؤل عن سبب هذا النقص الذي تعاني منه بلادنا في هذا الجانب المهم الذي هو أساس أي تنمية وازدهار اقتصادي شريطة أن لا يؤدي إلى خلل وتدهور في جوانب أخرى، وأفضل مثال على ذلك الصين وبعض دول جنوب شرق آسيا.
حيث تشكل العمالة الفنية الأساس القوي للازدهار الذي تعيشه، إلى الدرجة التي جعلت دول الغرب المتقدم تنقل صناعاتها إليها لتوفُّرِ العمالة الفنية الماهرة والرخيصة لديها، مما أدى إلى تنامي قوة دول الشرق التي أصبحت تشكل تهديدا أرغم دول الغرب الصناعي على عقد شراكات معها لإحداث توازن في الميزان التجاري الذي أصبحت كفته تميل لصالح الدول ذات العمالة الفنية الماهرة والرخيصة.
هذا الطرح يدفعنا إلى البحث في تاريخ التعليم الفني والتجاري والزراعي الذي بدأ لدينا في فترة مبكرة قبل قيام الدولة، حيث أنشئت أول مدرسة صناعية عام 1958 بإمارة الشارقة، التحق بها 14 طالبا في ذلك الوقت، تبعتها مدرسة صناعية ثانية في دبي عام 1964 انتظم فيها 89 طالبا، وتم إنشاء المدرسة الصناعية الثالثة في رأس الخيمة عام 1969 لينضم إليها 38 طالبا عند تأسيسها.
كانت هذه المدارس الصناعية تضم ورشا فنية تغطي مجالات النجارة وميكانيكا السيارات والكهرباء واللحام والخراطة والبرادة والمعادن، وتشتمل على مختبرات فنية وعلمية للإلكترونيات والكهرباء والعلوم مزودة بالأجهزة والأدوات والآلات اللازمة للوفاء باحتياجات العملية التعليمية، كما كانت تشتمل على قاعات الدروس والمحاضرات والملاعب وصالات الرياضة بما يخدم الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية والترفيهية.
وكان على الطالب أن يجتاز اختبارا لتحديد المستوى في مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والرياضيات والإلمام باللغة الإنجليزية كي يتمكن من الالتحاق بتلك المدارس التي كان يُصرَف لطلبتها مكافأة شهرية مقدارها 30 روبية هندية، تم رفعها إلى 45 روبية، ثم أصبحت 150 روبية قبل أن تتوقف.
وكذلك الحال بالنسبة للتعليم الزراعي الذي بدأ عام 1967 بإنشاء المدرسة الزراعية في «الدقداقة» بإمارة رأس الخيمة. وهو ما ينطبق أيضا على التعليم التجاري الذي أنشئت له مدرسة ثانوية في دبي عام 1966، كانت المناهج الدراسية فيها تتناول المواد التجارية كالمحاسبة والسكرتارية ومسك الدفاتر، كما كانت تضم أربعة مختبرات للطباعة باللغتين العربية والإنجليزية مجهزة بأحدث الآلات، ومختبرا للحاسب الآلي تم افتتاحه عام 1984م.
إلا ان الإقبال على هذا النوع من التعليم كان ضعيفا، حيث بلغ إجمالي طلاب المدارس الفنية الخمس على مستوى الدولة 730 طالبا في نهاية العام الدراسي 88/89 تراجع إلى 700 طالب عام 90/91 رغم الاهتمام الذي حظي به في بداياته.
حيث كان يتم إرسال خريجي مدارسه في دورات خارجية لاستكمال دراسة تخصصاتهم ليعودوا للتدريس في هذه المدارس التي بلغت نسبة المدرسين المواطنين فيها خلال مرحلة من المراحل 95% تولى بعضهم مسؤوليات عديدة في قطاع التعليم نظرا لأن آفاق الترقي كانت مفتوحة أمامهم، حتى أن أحد خريجيها (هو الأستاذ سالم الغماي) شغل منصب وكيل وزارة التربية والتعليم فترة ليست بالقصيرة.
بدأ هذا التعليم بمبادرة من مجلس تطوير الإمارات الذي كان يشرف عليه قبل أن تنتقل مسؤوليته إلى وزارة التربية والتعليم الاتحادية عام 72/73م، لكنه تراجع في سنواته الأخيرة نتيجة ضعف الميزانيات المخصصة له، حتى وصل مرحلة الاحتضار قبل أن تطرح الوزارة مشروع تطويره الذي انتهى بإنشاء معهد التكنولوجيا التطبيقية الذي صدر به مرسوم من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بصفته حاكماً لإمارة أبوظبي.
على أن يكون المعهد ذا شخصية اعتبارية مستقلة، ويصبح مملوكا بالكامل لحكومة أبوظبي، وبهذا خرج التعليم الفني عن نطاق اختصاص وزارة التربية والتعليم الاتحادية. وقد أنشأ المعهد له فروعا في مختلف إمارات الدولة، وتم الاحتفال هذا العام بتخريج الدفعة الأولى من طلبته في كل من فروع دبي ورأس الخيمة والفجيرة والعين وسويحان.
والآن وبعد نصف قرن من مسيرة التعليم الفني بالدولة، نجد أن هناك جوانب من هذا التعليم قد تطورت، وهي الجوانب المتعلقة بعلوم التقنية المتمثلة في (الإلكترونيات والكمبيوتر والكهربائيات والميكاترونيك والميكانيكا) التي يتمحور حولها منهج الدراسة في معهد التكنولوجيا التطبيقية، بينما توقف التعليم التجاري والزراعي رغم أن سوق العمل بحاجة إلى حملة مؤهلات في مستوى دبلوم التعليم الثانوي التجاري والزراعي الذي كانت توفره تلك المدارس.
لأن مثل هذه العمالة المواطنة هي التي يمكن أن تُحدِث نوعا من التوازن في التركيبة السكانية للدولة بالتقليل من العمالة الفنية الوافدة، حتى لا يخرج علينا البعض مفاخرا بأن جاليته تكمل «البنية الوطنية» لدولتنا بفضل «فرص العمل المتنامية» التي نوفرها، والتي أحدثت «تحولا جوهريا في البنية السكانية» لجاليته، كما صرح سفير إحدى الدول الآسيوية لإحدى الصحف المحلية الصادرة باللغة الإنجليزية في أعقاب الاحتفال بيوم استقلال بلده الأسبوع الماضي!
كاتب إماراتي