مباشرة إسرائيل مفاوضات سرية مع المرشحين الرئاسيين الأميركيين حول وثيقة تتضمن الترتيبات الأمنية التي تريد إدراجها في أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين، بهدف منعهم من عقد تحالفات مع دولة أخرى، والسماح بممرات خاصة للتوغل في الأراضي الفلسطينية، تعطي انطباعاً أولياً بأن على العرب أن لا يتوقعوا تغييراً راديكالياً في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعد نوفمبر 2008.
فالانتخابات لن تأتي بجديد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لا على صعيد القول ولا الممارسة، في ظل وجود تحالف أبدي بين تل أبيب وواشنطن. ويعني ذلك أن مرشحي الرئاسة الأميركية بالرغم من اختلافهما حول أمور عديدة حول الأمن القومي والانسحاب من العراق، إلا أنهما قد اتفقا حول شيء واحد؛ ألا وهو دعم وتأييد الكيان الصهيوني، وجعْل أمنه في مقدمة اهتمام الإدارة الأميركية المقبلة.
فرئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت كشف خيوط المؤامرة من خلال إعلانه مناقشة ترتيبات عزل فلسطين وجعلها دولة منزوعة السلاح، وذلك في لقاءاته مع مرشحي الرئاسة الأميركية، جون ماكين وباراك أوباما، لدى زيارتهما لإسرائيل أخيراً. وتبدو مثل هذه الأفكار المتطرفة، خروجاً على سياق الإجماع الدولي والإقليمي على حل عادل للقضية الفلسطينية وتجاوزاً خطيراً للقوانين الدولية.
وبالرغم من بعض الآمال حول انتخابات الرئاسة الأميركية بأن تأتي برئيس غير منحاز بالكامل للكيان الصهيوني، أو يُساعد على فك الحصار غير الإنساني المفروض على قطاع غزة، إلا أن تلك الآمال سرعان ما تبخَّرت بعد التصريحات المحبطة لمرشحي الرئاسة؛ إذْ تبيّن بصورةٍ جلية أن تلك الانتخابات ستكرس الوضع الراهن في الشرق الأوسط.
إن التأثير الفعال الكبير للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ودعمه المرشحين مالياً، إضافة إلى سعي المرشحين الديمقراطي والجمهوري إلى الكرسي الرئاسي، تلعب دوراً مهماً جداً في توجيه دفة هذه الحالة التي ترافق الانتخابات الأميركية كل أربع سنوات، ولكن حان الوقت لتغيّر أميركا أطروحاتها في دعم إسرائيل، وحل المشكلات التي تواجهها في ظل الظروف الجديدة والمعطيات الدولية التي تشير إلى سير العلاقات الدولية باتجاه العودة إلى تعددية الأقطاب.
إن التقدم الحقيقي في عملية السلام سيساعد في تهدئة المشاعر الدينية والقومية المحتدمة في المنطقة. ولكن لكي يتحقق التقدم المنشود، على الولايات المتحدة أن تعمل بقوة على مساعدة الطرفين دون الميل للإسرائيليين، وذلك للبدء بتقديم تنازلات عادلة، ودون ذلك لن تتحقق أي تسوية تاريخية.
