عاشت دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر من عام 2006 عرساً انتخابياً رائعاً أعلن بداية انطلاق مشوار «الديمقراطية» الإماراتية، عندما توجه الناخب الإماراتي لصندوق الاقتراع ـ ولأول مرة في حياته ـ لانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي، فكانت البداية رائعة وكانت التطلعات لا حدود لها.

اليوم وبعد أن شارف أول مجلس وطني اتحادي منتخب نصف أعضائه في دولة الإمارات على إكمال فترته القانونية المحددة بسنتين، وفقاً للمادة الدستورية رقم 72 من دستور الإمارات، تزداد المناقشات حول مستقبل هذا المجلس، بل ومستقبل العملية الديمقراطية التي بدأتها الإمارات قبل حوالي سنتين. والسؤال الذي يثار هو: ماذا بعد نهاية الفترة الدستورية للمجلس الوطني الحالي؟ هل ستكون هناك انتخابات جديدة أم أنه سيكون هناك تمديد لعضوية الأعضاء الحاليين لسنتين جديدتين ؟

عندما بدأت الإمارات اتباع النهج الانتخابي لنصف أعضاء المجلس الوطني، كان ذلك بناءً على رغبة قيادة الدولة في السير بأسلوب الخطوة خطوة، من أجل إيجاد بيئة ثقافية جديدة لدى الشعب الإماراتي في التعامل مع عملية تطوير المجلس الوطني؛ وكانت تلك الخطوة رائعة ولاقت دعم مختلف شرائح المجتمع الإماراتي، رغم ما اعتراها من بعض النواقص.

ولا نبالغ إذا قلنا إن هناك درجة من الثقافة السياسية الجديدة بدأت تنشأ في دولة الإمارات عند المواطن العادي، من جراء تلك الانتخابات التي جرت لاختيار نصف أعضاء المجلس الوطني. لقد أصبح المواطن أكثر معرفة بالمجلس الوطني وأكثر دراية بمفهوم الانتخابات وعملية الانتخابات، من ترشح وتصويت وحملات دعائية ورقابة انتخابية.

لذلك فإن الآمال تصبو نحو استمرار هذه العملية بهدف النجاح في تحقيق مزيد من المكاسب، في سبيل بناء ثقافة سياسية جديدة حول المجلس الوطني في دولة الإمارات لدى شريحة أكبر من شعب هذا البلد. فالمواطن بحاجة إلى أن تعزز لديه روح التواصل مع المجلس الوطني، من خلال الالتزام بالفترة الدستورية المحددة لعضوية المجلس وإجراء انتخابات جديدة لاختيار نصف أعضاء جدد لدورة انعقادية جديدة.

هذا الالتزام ضروري لأنه يمضي نحو إيجاد ثقافة انتخابية لدى المواطن الإماراتي؛ وكذلك فإن استمرار الانتخابات في فتراتها المحددة، هو مؤشر قوي على التزام المشرع السياسي في الإمارات بمشروع تطوير المجلس الوطني وإدخال فلسفة الانتخابات عليه، وبالتالي استمرار تطوير العملية الديمقراطية في دولة حديثة النشأة لم تعرف هذه الفلسفة في تاريخها السابق.

بالطبع ليس هناك حرج في تعديل المدة الزمنية المخصصة لعضوية المجلس الوطني من سنتين إلى أربع سنوات أو أي مدة أخرى، طالما أن هذا التمديد يأتي بناءً على معطيات وتبريرات تفرض الحاجة إلى مثل هذا التعديل؛ فالتجارب الأخرى في الدول الديمقراطية تربط مدة عضوية مجالسها التشريعية بالمدة الدستورية الممنوحة للرئيس في سدة الرئاسة أو للحكومة.

هذا الربط قائم على أساس أن هناك مدداً زمنية محددة دستورياً للحكومة، وأن المجالس البرلمانية في مثل تلك الدول تلعب دوراً مهماً في تشريع القرارات والقوانين التي يُعمل بها في الدولة وتكون جزءاً من عملية تسيير شؤون البلاد، وبالتالي فإن مثل ذلك الربط الزمني ضروري.

أما في حالة الإمارات فإنه لا يوجد ربط بين مدة الحكومة ومدة عضوية أعضاء المجلس الوطني، باعتبار أن الحكومة لا تتغير بشكل دوري محدد دستورياً، وعليه فإن الإمارات بحاجة إلى تبرير واقعي من أجل تعديل المدة الزمنية لعضوية المجلس الوطني.

وإذا كان تبرير قرب الانتخابات مع بعضها البعض، أي أن فترة السنتين الفاصلة بين انتخابات وأخرى غير كافية وتؤدي إلى تزايد عدد الانتخابات، فإن ذلك لا يعتبر مبرراً قوياً للتمديد باعتبار أن الدولة بحاجة إلى إيجاد ثقافة الانتخابات في مجتمع الإمارات، وبالتالي فإن قرب الانتخابات وتعددها هو عامل مساعد أكثر من كونه عاملاً معرقلاً لخلق مثل تلك الثقافة.

لسنا ضد تمديد فترة عضوية المجلس الوطني لفترة أطول من الفترة الدستورية الحالية المحددة بسنتين، لكننا مع أن يأتي هذا التمديد بناءً على مبررات علمية وعملية مقنعة تتناسب والتجربة الإماراتية التي ظل فيها العمل بفترة السنتين معمولاً به منذ قيام دولة الاتحاد.

إن المواطن الإماراتي يود أن يعيش ذات الفرحة التي عاشها في ديسمبر من عام 2006، عندما ذهبت فئة مختارة من الشعب الإماراتي إلى صناديق الاقتراع وانتخبت نصف أعضاء المجلس الوطني. لقد ذهب الناخب الإماراتي على اعتبار أن من انتخبهم سيمثلونه لفترة سنتين، وبعد انقضاء هذه الفترة ستكون هناك انتخابات جديدة لاختيار أعضاء آخرين.

هذه هي المعادلة التي ذهب على أساسها الناخب الإماراتي، وهذه هي المعادلة التي توقعها المشاهد والمتابع لما حدث، وبالتالي فإن الجميع ينتظر الانتخابات القادمة التي من المفترض أن تأتي في ديسمبر المقبل، ويود أن يشاهد استعدادات تأخذ مكانها في هذا المجال.

فإذا كانت النية لتمديد العضوية لأكثر من سنتين فلا حرج في ذلك، ولكن نعتقد أن تمديد المدة الدستورية لعضوية المجلس يجب ألا تتم لأعضاء المجلس الحالي وإنما تكون للمجلس القادم، وذلك من أجل أن نجعل العملية الانتخابية تسير بشكلها القانوني، ومن أجل أن تتضح الصورة حول مدة العضوية أمام الناخب والمرشح في الانتخابات القادمة، وحتى نستطيع القول ان عملية تطوير المجلس الوطني لا تمضي هكذا وإنما تسير وفقاً لرؤية أو خطة معينة.

الانتخابات التي بدأتها الدولة الاتحادية في ديسمبر 2006 يجب أن تستمر وتُعقد في وقتها المحدد، حتى تكون هناك درجة من المصداقية لدى المواطن الإماراتي حول مستقبل عملية تطوير المجلس الوطني، وحتى تكون هناك قناعة بأن خطوة الانتخابات لم تكن خطوة عارضة، بل هي خطوة ثابتة في مسيرة ليست بقصيرة نحو تحديث المجلس الوطني، وأنها تمشي وفقاً لإطارها الدستوري الذي حدده لها الدستور أو القانون في هذا الإطار.

كاتب إماراتي

binhuwaidin@hotmail.com