من دورة الألعاب الأولمبية على أرض الصين، وإلى حرب القوقاز التي يمكن أن تكون فصلاً حاسماً في علاقات روسيا بالعالم.. يبرز حجم التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة بعد سنوات قليلة من احتفالها بتتويج نفسها كقوة عظمى وحيدة مسيطرة على العالم مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

ساعتها، كان أمام أميركا طريقان.. طريق عاقل يفهم حركة التاريخ ويدعوها لاستغلال هذا «الانتصار» في إقامة نظام عالمي جديد أكثر عدلاً وأكثر ديمقراطية، تكون فيه الولايات المتحدة هي القوة الأولى اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، ولكنها ليست القوة الوحيدة، بل يكون معها شركاء مثل أوروبا والصين واليابان.

وطريق آخر يعتبر هذا الحديث كلاماً في الأخلاق وليس في السياسة، وإغراقاً في الطوباوية بعيداً عن الواقع الذي يقول ـ وفقاً لهذه الرؤية ـ إن السيطرة على العالم قد دانت لأميركا، وأن التاريخ قد وقف عند هذه اللحظة التي ينبغي الإمساك بها والانطلاق منها، ليس فقط لتدعيم الهيمنة الأميركية الوحيدة على العالم.

بل أيضا لمنع أي تهديد أو تحدٍّ لهذه السيطرة، حتى لو استدعى الأمر استخدام القوة فيما عرف بسياسة «الحروب الاستباقية» لمنع أي قوة في العالم من الوصول للمرحلة التي قد تشكل فيها تهديداً لانفراد أميركا بحكم العالم!

ولسوء حظ أميركا والعالم، أن أصحاب الاتجاه الثاني هم الذين سيطروا على القرار الأميركي، ولسوء حظ أميركا والعالم أنهم لم يكونوا فقط مجرد فريق متشدد، بل جمعوا بين تشددهم وبين الحماقة والغرور والتعصب والهوس الديني.. وبهذه الحمولة الزائدة من عوامل الفشل انطلقوا في مشروعهم لإقامة أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ، ولكي تدوم هذه الإمبراطورية للأبد دون أن تلقي مصير الإمبراطوريات الكبرى التي عرفتها البشرية.

وفي هذا الأسبوع، ومن دورة الألعاب الأولمبية في بكين.. إلى حرب القوقاز، كانت أميركا (والعالم كله) أمام مشهد جديد يكشف كم تغيرت الصورة خلال عقد واحد من الزمان.

في الصين.. لم يكن الأمر يتعلق فقط بمنافسات رياضية هي الأرقى بلا جدال، ولا بحفل افتتاح أسطوري لدورة الألعاب، ولكنه كان ـ كما أرادته الصين ـ إعلاناً بميلاد قوة كبرى لا بد للعالم كله أن يعمل حسابها، ولا بد لأميركا بالذات أن تدرك أنها لن تبقي فقط عملاقاً اقتصادياً بلا طموح سياسي تحتل معه مكانها الطبيعي كواحدة من القوى العظمي التي تقرر مصير العالم.

وفي حرب القوقاز، وأيا كانت التطورات القادمة، فإن موسكو تعلن بالفعل وليس بالقول، انها مصممة على استعادة دورها كقوة عظمى، بعد أن أوقفت الانهيار الرهيب الذي عايشته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد أن استعادت هيبة الدولة وفرضت سلطتها في الداخل، واستغلت ارتفاع عائداتها من البترول في عملية إعادة بناء واسعة، ودخلت في صراع مع أميركا لوقف مخطط محاصرتها بالقواعد الصاروخية، وهاهي الآن تقول بكل حسم إن قواعد جديدة للنفوذ في المنطقة وفي العالم ينبغي أن تراعى.

عالم جديد يولد عنوانه: نهاية الحلم الأميركي! ولا يعني ذلك بالقطع أن أميركا ستفقد مكانها كقوة عظمى، بل كقوة ستظل الأولى لسنوات.. ولكنه يعني أنها لن تكون منفردة بحكم العالم، بل ستكون مجبرة على أن تكون «الأولى بين شركاء».

وبالطبع.. تراهن أميركا على أن مسيرة الصين يمكن أن تتعطل بفعل المشاكل والاضطرابات الداخلية، تزايد الفوارق الطبقية وبقاء الأغلبية حتى الآن دون استفادة من المعجزة الاقتصادية التي تحققت، وتصاعد المطالبة بالحريات السياسية مع حتمية تراجع هيمنة الدولة في ظل التوجهات الرأسمالية.

وتراهن أميركا أيضاً على أن ارتفاع أسعار البترول الذي يوفر لموسكو فرصة الإصلاح الاقتصادي والاستقرار يمكن أن يتوقف، وعلى أن أطماع موسكو مع قدراتها العسكرية الهائلة يمكن أن توقعها في فخ جديد تكرر فيه مأساتها في أفغانستان.

ولكن ذلك كله لا ينفي أن المعادلة تغيرت، والهيمنة الوحيدة لأميركا انتهت، ولعل الهاجس الأكبر لدى واشنطن مع استمرار أزمتها الذاتية، هو احتمال التحالف بين الصين بإمكانياتها الاقتصادية والبشرية الهائلة، وبين روسيا بإمكانياتها العسكرية وثرواتها البترولية التي تحتاجها الصين حتى تتحرر من ضغوط قد تمارسها الولايات المتحدة من خلال سعيها للسيطرة على ما تستطيع من مصادر البترول.. وأمام هذا الاحتمال تحاول واشنطن إعادة ترتيب أوراقها، خاصة في آسيا وإفريقيا حيث مجال الصراع القادم.

أين نحن من هذا كله؟ وكيف ندير صراعاتنا ونحفظ مصالحنا في عالم يتغير بصورة سريعة وجذرية، وأمام صراعات سنكون جزءاً منها شئنا أم أبينا؟ وكيف ندير علاقاتنا مع القوى الأخرى الصاعدة التي يمكن أن تكون لنا معها مصالح هامة؟ وأين ذهبت علاقات كانت مميزة لدول عربية أساسية مع الصين وروسيا؟

وكيف انسحبنا لنترك المجال لإسرائيل لتدخل في علاقات واسعة مع قطبين أساسيين كانا أكبر نصير لقضايانا؟

أسئلة تظل بلا جواب مثل كل الأسئلة التي تتصل بواقعنا العربي وتجسد أزمة غياب الاستراتيجية العربية الموحدة، وانتظار ما تأتي به الأحداث.

كاتب مصري

elsadattt@hotmail.com