دخلت باكستان قلب دوامة جديدة، في تكرار متجدد لأزماتها، التي رافقتها طيلة أكثر من عقود ستة من الاستقلال وذلك إثر إعلان قادة الائتلاف الحاكم عزمهم الإطاحة بالرئيس الباكستاني برويز مشرف، على خلفية اتهاماتهم له بسوء استخدام السلطة وارتكابه انتهاكات لدستور البلاد، وصلت حد التلويح برفع بطاقة التهمة الأكبر، وهي الخيانة في وجهه.
تميز مشهد الحياة السياسية في باكستان على الدوام باعتماده على توازنات حساسة من التحالفات وتركيبة متشابكة من المصالح قادها في غالب الأحيان الحزبان الرئيسيان: الشعب الباكستاني والرابطة الإسلامية.
وكشفت هذه التوازنات عن اعتلال كبير في صحة تلك الحياة، أدى في كثير من الأحيان إلى فرض المؤسسة العسكرية، صاحبة اليد الطولى، رأيها الخاص لحل المشكلات التي تنجم عن مثل ذلك الاختلال، والذي أصاب البلاد غير مرة بشلل تام على الأصعدة كافة خاصة الاقتصادية منها، دون تناسي الدور الذي لطالما لعبته الجماعات الإسلامية التي تطل برأسها في المناطق القبلية الخارجة تقريباً عن سلطة إسلام أباد.
وتأتي هذه الأزمة الأخيرة، إذن، لتشير إلى هشاشة التحالفات السياسية القائمة في بلد عرف عنه كثرة الانقلابات العسكرية التي حمل آخرها الرئيس الحالي إلى السلطة قبل أقل من عشر سنوات. ولتؤكد أيضاً أن الجغرافيا السياسية ليست دائماً، وبالضرورة، نعمة على أصحابها بل يمكن لها أن تكون نقمة حقيقية توصل البلاد إلى طريق مسدود، ولا أدل على ذلك مثال الأزمة الأخيرة.
فموقع باكستان الجغرافي الحساس في شبه القارة الهندية ومشكلاتها التاريخية مع جاراتها: الهند فيما يتعلق بإقليم كشمير والتنافس على النفوذ الإقليمي، وأفغانستان في ملف السيطرة الأمنية على المناطق القبلية على حدود البلدين، بالإضافة إلى مفاعيل حرب الإرهاب التي شنت انطلاقاً من أراضيها انعكست سلباً على مجمل الأوضاع الداخلية في باكستان.
رغم فترة شهر العسل الذي بدا أنه أرخى سدله قبل سنوات مع الولايات المتحدة التي تنظر بعين من الريبة مشوبة بالقبول على سلوكيات هذا البلد الإسلامي ذي القدرات النووية رغم أن سلاح الردع النووي كان بحد ذاته عاملاً مؤثراً في إضعاف قدرات الحكومات الباكستانية المتعاقبة على المناورة مع جيرانها ومحيطها الإقليمي وشبكة علاقاتها الدولية.
فهل ستكون تلك الأزمة التي تتوالى فصولها تباعاً حلقة أخرى من مسلسل يبدو وكأنه لن ينتهي من الهزات السياسية، أم أن الطريق لا يزال طويلاً لكي نرى نعمة الاستقرار السياسي وقد حلت بساحة باكستان؟
