حققت القمة السورية ـ اللبنانية الهدف الأول من انعقادها عندما كرست العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين، وبقية الأمور تعتبر تفصيلات يمكن متابعتها لاحقاً في إطار التفاهم والتنسيق والعمل الجاد المنطلق من حرص الجانبين على المصالح العليا لكليهما معاً.

نستطيع القول: إن إرادة الشعبين عادت لتفرض نفسها بقوة، وإن المنطق انتصر على محاولات دق الأسافين في العلاقة السورية ـ اللبنانية، ونسف الجسور ما بين دمشق وبيروت قد سقطت مرة وإلى الأبد. ‏

ما فعلته القمة كان بكل بساطة استجابة المؤسسة السياسية في البلدين لرغبة القاعدة الشعبية وتطلعات السوريين واللبنانيين إلى علاقات ممتازة تعبّر عن الواقع المعيش منذ فجر التاريخ، وبعبارة أوضح: جاءت قمة دمشق لتترجم نبض الشارع السوري واللبناني أولاً، ونبض الشارع العربي ثانياً. ‏

ما نقوله ليس مجرد عواطف، ونحن شعب عاطفي بالفطرة، لكنه حديث العقل والمنطق والتاريخ والجغرافيا معاً. فما بين سورية ولبنان لم يصنعه الساسة على مرِّ العصور، وإنما صنعه الشعب، وعودة إلى التاريخ البعيد والحديث تنبئنا بأن السوريين واللبنانيين بنوا معاً حضارة راقية منذ الأبجدية الأولى، وحتى يومنا الحالي. ‏

كانت علاقة الدم والقربى والنسب ولا تزال، إحدى الروابط المتينة التي يصعب على قوة في الكون المساس بها أو الرهان على ضربها وضعضعتها وفصمها. ‏

معاً تصدى السوريون واللبنانيون للغزاة والأعداء على اختلاف انتماءاتهم وأهدافهم، ومعاً وضعنا اللبنات الأولى لحضارة راقية أشرقت شمسها على العالم، ومعاً سنواصل الطريق في معارك التنمية والمقاومة والتحرير لاستعادة الأرض والحقوق. ‏

عاد الوئام أخيراً إلى العلاقات الأخوية بين سورية ولبنان، وبدأت مرحلة جديدة لا يمكننا فصلها عن المسار التاريخي، وسقطت الرهانات على خلق شرخ في هذه العلاقات وتصديع الجدار العربي عموماً. ‏

أثبت البلدان أنهما أقوى من المؤامرة التي حيكت بليل، وأكثر قدرة على حماية تاريخهما المشترك ومستقبلهما الواعد، وأنهما أقوى من كل القوى المتربصة بهما الشرور، ومن المشاريع الاستعمارية التي تستهدف الهوية العربية والوجود العربي معاً، وليس سورية ولبنان فقط. ‏

ولعل في تزامن انعقاد القمة السورية ـ اللبنانية مع الذكرى الثانية للانتصار المؤزر الذي حققته المقاومة على اسرائيل، رسالة ذات مغزى لمن يريد أن يتعظ، أياً كان انتماؤه وهويته وأهدافه، وأن البلدين التوءمين متمسكان بعلاقاتهما المميزة والمتينة، وحريصان على الارتقاء بهذه العلاقات إلى المستوى الذي يلبي تطلعات الشعبين ويحقق أهدافهما، وأن المقاومة هي الطريق القويم الذي يدافع عنه اللبنانيون والسوريون معاً في معركتهما المشتركة. ‏

انفضت قمة دمشق، وأثلجت نتائجها الصدور، وبات الطريق معبداً أمام البلدين والشعبين ليصنعا معاً مستقبلاً زاهراً للأجيال القادمة، وليواصلا كتابة التاريخ ويحافظا على الجغرافيا ويوطدا روابط الدم والمصير. ‏