لم تكن الإطاحة بنظام صدام حسين الاستبدادي بحرب تشنها الولايات المتحدة الأميركية، بالمسألة التي تحظى بإجماع غالبية الشعب الأميركي، وهي بالتأكيد لم تكن كذلك في نظر الشعوب الأوروبية الغربية التي شاركت جيوش بعضها في تلك الحرب.

ولعل سطوع نجم باراك أوباما يثبت ذلك، فوعوده للناخب الأميركي ببدء سحب القوات الأميركية من العراق بعد أشهر قليلة لتسلمه رئاسة الجمهورية، هو تبنٍّ لهذا التوجه الشعبي. ولا شك أن كثيراً من المثقفين والسياسيين المنتمين إلى النخبة الحاكمة يشاطرون الجمهور العريض هذا الرأي.

بل إن هؤلاء شأن الجمهور العام لم يكونوا في الأصل مع غزو العراق، لا حباً بصدام حسين بالطبع، ولكن لآثار الحرب المدمرة التي لا يمكن أن يتنبأ بعقباها أحد. وبين أيدينا كتاب وضعه شخصان بارزان قيض لهما أن يلعبا أدواراً مهمة في رسم سياسة بلدهما.

أما الأول فهو السناتور ومرشح الرئاسة الأسبق (في العام 1972) جورج ماكغفرن، في حين أن الثاني شغل مناصب أكاديمية مرموقة كأستاذ في هارفارد وأكسفورد، وعمل في مجال السياسية الخارجية وكان أبرز مهماته المساهمة في المفاوضات بين مصر وإسرائيل لوقف إطلاق النار في العام 1970، واسمه وليام بولك.

وعنوان كتابهما هو: «الخروج من العراق: خطة عملية للانسحاب الآن»، قام بترجمته مركز دراسات الوحدة العربية. إن أهم مبررات الانسحاب التي يعرضها المؤلفان هو أن هذه الحرب كانت وما زالت لها تأثيرات بالغة السوء على الشعبين العراقي والأميركي.

فعلى صعيد الشعب العراقي أدت تلك الحرب إلى مقتل وجرح عشرات الآلاف، وخسائر في البنية التحتية تقدر بين مئة إلى مئتي مليار دولار، وعدم قدرة الولايات المتحدة على تشكيل حكومة ديمقراطية قوية، فضلا عن ظهور احتمال تقسيم العراق.

أما على الجانب الأميركي (وهو موضع اهتمام الكاتبين) فإن كلفة الحرب البشرية والمادية كبيرة بكل المقاييس، فثمة أعداد متزايدة من القتلى في صفوف الجنود الأميركيين، إلى جانب الجرحى وبالذات أولئك الذين يتحولون إلى معاقين، وقد لا تكون الإعاقة بدنية بل نفسية.

حيث يذكر المؤلفان، وفقاً لدراسة علمية، أن أكثر من ثلث الجنود الذي شاركوا في غزو العراق وما أعقبه من احتلال، يراجعون العيادات النفسية طلباً للعلاج! أما الكلفة المادية فهي أرقام خيالية قدرها المؤلفان حين وضعهما للكتاب (2006) بأكثر من سبعة مليارات دولار شهرياً، أي حوالي 237 مليون دولار يومياً، وحوالي عشرة ملايين دولار في الساعة!!

ليست الخسائر المادية في الأنفس والأموال، هي ما يستوجب إيجاد مخرج مشرف للأميركيين من الورطة العراقية بالنسبة لماكغفرن وبولك، بل الجانب الأخلاقي أيضاً، والمتمثل في الوجه المتوحش الذي ظهر عليه الجنود الأميركيون باستخدامهم التعذيب وتفشيه بين صفوفهم، حتى أصبح يمثل عاراً لا تتحمله المؤسسة العسكرية من وجهة نظر المؤلفين.

فما قام به الجنود الأميركيون في سجن أبو غريب ـ الذي هو غيض من فيض مما يوردانه من انتهاكات ـ يكشف إلى أي مدى وصل الانحطاط الأخلاقي في صفوف هؤلاء، إضافة إلى تدهور سمعة الولايات المتحدة جراء الغزو في نظر شعوب العالم!

ولعل نقطة البدء التي ينطلق منها المؤلفان في اقتراحاتهما لما يجب أن تفعله أميركا حيال العراق، تنطلق من القيم الأميركية لأحد مؤسسيها الأوائل وهو توماس جيفرسون الذي دعا إلى «احترام لائق لآراء الجنس البشري». ولا يخفى على القارئ الكريم سبب لجوء المؤلفين لذلك، وهو رغبتهما في إحداث أكبر تأثير على الرأي العام الأميركي الذي يخاطبانه.

ومن هذا المنطق يدعوان إلى احترام رأي الشعب العراقي وعدم الوقوف أمام خياراته، والتي لا شك أنها الاستقلال المطلق والسيادة الكاملة على أراضيه وقراراته. وإذا لم يتحقق ذلك، فإنه سيعطي المبرر لاستمرار المقاومة العراقية، بل ربما يزيد اتساع قاعدتها لتشمل قوى لم تكن منخرطة فيها بشكل واضح.

ولا شك أن المؤلفين يدركان أنه لا يمكن أن يتم الانسحاب بين ليلة وضحاها، فيقترحان جدولاً للانسحاب ثم حلول قوة دولية مكان القوات الأميركية، ومن المحبذ لديهما أن تكون تلك القوة من الدول الإسلامية والعربية منها على وجه التحديد.

ثم إن على الولايات المتحدة واجباً أخلاقياً، وهو إعادة بناء العراق وتعويض العراقيين عن الخسائر التي تسببت فيها، فضلاً عن تقديم خدمات مختلفة لكسب ود الشعب العراقي، كالمساهمة في إزالة الألغام ومساعدة مؤسسات المجتمع المدني وإلغاء عقود النفط التي فرضتها على الحكومة العراقية، وغيرها.

وأخيرا، يقترح المؤلفان أن تقوم الولايات المتحدة بتقديم «اعتذار للشعب العراقي عن العدد الكبير من العراقيين الذين قتلوا أو شلوا أو احتجزوا أو عذبوا». ورغم أنهما يعتقدان أن تلك «الإيماءة قد تبدو صعبة لعدد كبير من الأميركيين»، إلا انهما يريانها ضرورية «لنقل العلاقة بين الطرفين من علاقة احتلال إلى علاقة صداقة»!.

كاتب كويتي : alyusefi@hotmail.com